تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وأنّه يحول بينهم وبينها إذا شاء ، حتّى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي به شيئا ، أو أن يفهم إلّا بإذنه ومشيئته ، وذلك أنّ الحول بين الشّيء والشّيء ، إنّما هو الحجز بينهما ، وإذا حجز جلّ ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه ، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع اللّه قلبه إدراكه سبيل . وإذا كان ذلك معناه ، دخل في ذلك قول من قال : يحول بين المؤمن والكفر ، وبين الكافر والإيمان . وقول من قال : يحول بينه وبين عقله . وقول من قال : يحول بينه وبين قلبه ، حتّى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلّا بإذنه ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ إذا حال بين عبد وقلبه ، لم يفهم العبد بقلبه الّذي قد حيل بينه وبينه ، ما منع إدراكه به على ما بيّنت . غير أنّه ينبغي أن يقال : إنّ اللّه عمّ بقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
الخبر عن أنّه يحول بين العبد وقلبه ، ولم يخصّص من المعاني الّتي ذكرنا شيئا دون شيء ، والكلام محتمل كلّ هذه المعاني ، فالخبر على العموم ، حتّى يخصّه ما يجب التّسليم له . ( 9 : 215 ) الزّجّاج : قيل فيه ثلاثة أقوال : قال بعضهم : يحول بين المؤمن والكفر ، ويحول بين الكافر والإيمان بالموت ، أي يحول بين الإنسان وما يسوّف به نفسه بالموت ، قيل :
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
معناه : واعلموا أنّ اللّه مع المرء في القرب بهذه المنزلة . كما قال : جلّ وعزّ :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ق : 16 . وقيل : إنّهم كانوا يفكّرون في كثرة عدوّهم وقلّة عددهم ، فيدخل في قلوبهم الخوف ، فأعلم اللّه جلّ ثناؤه أنّه يحول بين المرء وقلبه ، بأن يبدّله بالخوف الأمن ، ويبدّل عدوّهم - بظنّهم أنّهم قادرون عليه - الجبن والخور . ( 2 : 409 ) ابن الأنباريّ : يحول بين المرء وما يتمنّاه بقلبه من البقاء وطول العمر والظّفر والنّصر . ( الماورديّ 2 : 308 ) السّجستانيّ : أي يملك عليه قلبه فيصرفه كيف شاء . ( 74 ) الرّمّانيّ : معناه يفرّق بين المرء وقلبه بالموت ، فلا يقدر على استدراك فائت . ( الماورديّ 2 : 308 ) هو أن يتوفّاه ، ولأنّ الأجل يحول بينه وبين أمل قلبه . وهذا حثّ على انتهاز الفرصة قبل الوفاة الّتي هو واجدها ، وهي التّمكّن من إخلاص القلب ومخالجة أدوائه وعلله ، وردّه سليما كما يريده اللّه ، فاغتنموا هذه الفرصة ، وأخلصوا قلوبكم لطاعة اللّه ورسوله . ( أبو حيّان 4 : 481 ) عبد الجبّار : وأمّا قوله تعالى من بعد :
وَاعْلَمُوا . . .
فلا يصحّ أن يتعلّق به المجبّرة في أنّه تعالى يمنع من الإيمان ، لأنّ ظاهره يقتضي أنّه يحول بين المرء وقلبه ، لا بينه وبين أفعال قلبه ، ولأنّه لو أراد الحيلولة في الحقيقة لم يكن فيه فائدة ، لأنّ بيننا وبين القلب حائلا ، ولذلك لا نراه كما لا نرى المستور المحجوب ، فلا ظاهر للقوم . والمراد بذلك : أن يحول بين المرء وقلبه بالإماتة ، فيخرج من أن يمكنه التّلافي بالتّوبة والنّدم ، ورغّب تعالى بذلك في المبادرة إلى التّوبة وتلافي المعصية ، ويؤكّد ذلك ما تقدّمه من قوله :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
الأنفال : 24 ، فأمر بالمبادرة إلى طاعة اللّه ورسوله قبل حلول الموت الّذي يفوّت ذلك . ( 1 : 321 )