تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
حال يزول . ومن مصاديقه : الحوالة ، فإنّ الدّين يتحوّل من رقبة المديون إلى رقبة المحال عليه ، وكذلك الذّمّة المديونة تتحوّل إلى أخرى . ومن مصاديقه : استحالة الأرض ، وتحوّلها إلى الاعوجاج . ومن مصاديقه : تحوّل حالة المرأة إلى جريان آخر ، لم تحمل . ومن مصاديقه : الحول والحوالي ، فإنّ محيط الشّيء يتحوّل إلى محيط خارج عنه ، وإلى حالة ثانويّة قريبة منه ، فيقال : إنّها حولها وحواليها . ومنها الحيلة ، وهي تحويل الفكر والكلام والعمل لمنظور خاصّ يضمره . ثمّ إنّه قد يشتقّ من بعض هذه الألفاظ بمعانيها الخاصّة بها ، أفعال بالاشتقاق الانتزاعيّ ، فيقال : حال وأحال وأحول من الحول بمعنى العام ، واحتال من الحيلة . ولا يخفى أنّ قيد التّحوّل والتّبدّل مأخوذ في جميع هذه المصاديق والموارد ، وبهذا يظهر الفرق بين الحول والعام والسّنة . وبين الحالة والصّفة . وبين الحول والحوالي ، والجانب والطّرف . فيظهر لطف التّعبير بهذه الكلمات في موارد استعمالاتها في القرآن الكريم .
وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ
هود : 43 ،
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
الأنفال : 24 ، أي وظهر حال الموج وتحرّك بينهما وتحوّل ، فاستعمل الفعل لازما . وأنّ اللّه يظهر وتتجلّى قدرته وإرادته ومشيّته بين المرء وقلبه ، فلا يقدّر له أن يصل إلى ما يريده وأن يعمل به ، فظهور الحالة للّه تعالى باعتبار ظهور حالة من آثار قدرته ومشيّته وتجلّيّاته . ويمكن أن يكون الفعل ، هنا متعدّيا ، أي أنّ اللّه يوجد حالة مخصوصة ويحوّل حالة إلى حالة مغايرة فيما بين المرء وقلبه ، كما أنّ الحيلة يائيّا ، بمعنى تحويل الفكر والعمل ، وتغيير حالة إلى أخرى ، ويؤيّد هذا قوله :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
سبأ : 54 ، صيغة الفعل مجهولا تدلّ على استعماله متعدّيا ، أي وأوجدت حالة جديدة حادثة بينهم وبين ما يشتهون ، فلا يتمكّنون من بلوغ مشتهياتهم . فالفعل لا يدلّ على المنع ، بل على تغيير الحالة وايجادها ، والمنع من آثار تلك الحالة ، وليس من مصاديق الحقيقة .
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ
النّساء : 98 ، أي تحويل حالة وتغيير مالهم وعليهم ، أو تحوّلا وتحرّكا وانتقالا ، إن كان بمعنى اللّازم . وليس المقصود من الحيلة هو المكر والحيلة العرفيّة ، وإن كانت من مصاديق التّحويل والتّحوّل اللّغويّة ، فإنّ المعنى اللّغويّ هو الأصل ، وإنّه أعمّ وأبلغ في بيان المنظور ، وهو العجز عن التّحويل المطلق والتّحوّل . كما أنّ إرادة مفهوم المنع في الآيات السّابقة غير صحيح : فأوّلا إنّه خلاف الأصل والحقيقة ، وثانيا إنّ المنع في نفسه في قوله تعالى : ( وحال الموج ) ، ومن اللّه تعالى في قوله :
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ :
غير ملائم ، فإنّ المنع والحجب بينهما لا يوجب الغرق ، وانّ اللّه تعالى لا يمنع