وهي قول ابن عبّاس . والضّحّاك ومجاهد وقتادة والسّدّيّ وابن قتيبة ، ثمّ قال : ]
والسّابع : يحول بين المرء وبين ما يتمنّى بقلبه من طول العمر والنّصر وغيره .
والثّامن : يحول بين المرء وقلبه بالموت ، فبادروا الأعمال قبل وقوعه .
والتّاسع : يحول بين المرء وقلبه بعلمه ، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلّا واللّه عالم به ، لا يقدر على تغييبه عنه .
والعاشر : يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن ، فيأمن بعد خوفه ، ويخاف بعد أمنه . ( 3 : 339 )
الفخر الرّازيّ : قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
يختلف تفسيره بحسب اختلاف النّاس في الجبر والقدر . امّا القائلون بالجبر ، فقال الواحديّ حكاية عن ابن عبّاس والضّحّاك : يحول بين المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته ، فالسّعيد من أسعده اللّه ، والشّقيّ من أضلّه اللّه . والقلوب بيد اللّه يقلّبها كيف يشاء ، فإذا أراد الكافر أن يؤمن واللّه تعالى لا يريد إيمانه ، يحول بينه وبين قلبه . وإذا أراد المؤمن أن يكفر واللّه لا يريد كفره ، حال بينه وبين قلبه .
قلت : وقد دلّلنا بالبراهين العقليّة على صحّة أنّ الأمر كذلك ، وذلك لأنّ الأحوال القلبيّة إمّا العقائد ، وإمّا الإرادات والدّواعي . أمّا العقائد : فهي إمّا العلم ، وإمّا الجهل .
أمّا العلم ، فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلّا إذا علم كونه علما ، ولا يعلم ذلك إلّا إذا علم كون ذلك الاعتقاد مطابقا للمعلوم ، ولا يعلم ذلك إلّا إذا سبق علمه بالمعلوم ، وذلك يوجب توقّف الشّيء على نفسه .
وأمّا الجهل فالإنسان البتّة لا يختاره ولا يريده ، إلّا إذا ظنّ أنّ ذلك الاعتقاد علم ، ولا يحصل له هذا الظّنّ إلّا بسبق جهل آخر ، وذلك أيضا يوجب توقّف الشّيء على نفسه .
وأمّا الدّواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث ، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إمّا العبد ، وإمّا اللّه تعالى ، والأوّل باطل ، وإلّا لزم توقّف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال ، فتعيّن أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدّواعي هو اللّه تعالى . فنصّ القرآن دلّ على أنّ أحوال القلوب من اللّه .
والدّلائل العقليّة دلّت على ذلك ، فثبت أنّ الحقّ ما ذكرناه .
أمّا القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، وبيانه من وجوه :
الوجه الأوّل : قال الجبّائيّ : إنّ من حال اللّه بينه وبين الإيمان فهو عاجز ، وأمر العاجز سفه ، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا اللّه بصعود السّماء . وقد أجمعوا على أنّ الزّمن لا يؤمر بالصّلاة قائما ، فكيف يجوز ذلك على اللّه تعالى ؟
وقد قال تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
البقرة :
286 . وقال في المظاهر :
فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
المجادلة : 4 ، فأسقط فرض الصّوم عمّن لا يستطيعه .
الوجه الثّاني : أنّ اللّه تعالى أمر بالاستجابة للّه وللرّسول . وذكر هذا الكلام في معرض الذّكر والتّحذير