يصدر عن كلّ منهما ومقدّماته ونتائجه وغاياته ، فهو الّذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر ، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه ، فهداية اللّه تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب ، وينتهون به إلى أحسن العواقب .
وأقول : إنّ الإحاطة إحاطتان ، إحاطة علم وإحاطة قدرة ومنع ، وهذا التّفسير مبنيّ على أنّ الإحاطة هنا إحاطة علم لتعلّقها بالعمل ، وذلك من المجاز الّذي ورد في التّنزيل كقوله تعالى :
أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
الطّلاق : 12 ، وقوله :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
يونس : 39 . وأمّا الإحاطة بالشّخص أو بالشّيء قدرة فهي تأتي بمعنى منعه ممّا يراد به ، وهذا ليس بمراد هنا ، وبمعنى منعه ممّا يريده ، وبمعنى التّمكّن منه ، ومنه الإحاطة بالعدوّ ، أي أخذه من جميع جوانبه بالفعل والتّمكّن من ذلك ، ومنه قوله تعالى :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
البقرة : 81 ،
إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
هود : 92 ،
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
يونس : 22 ، كلّ هذا من باب واحد ، وإن فسّر كلّ قول بما يليق به ، فيصحّ أن يكون منه ما نحن فيه .
والمعنى حينئذ : أنّ اللّه قد دلّكم يا معشر المؤمنين على ما ينجيكم من كيد عدوّكم ، فعليكم بعد الامتثال أن تعلموا أنّه محيط بأعمالهم إحاطة قدرة ، تمنعهم ممّا يريدون منكم ، معونة منه لكم كقوله :
وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها
الفتح : 21 ، فعليكم بعد القيام بما يجب عليكم أن تثقوا به وتتوكّلوا عليه . ( 4 : 93 )
نحوه المراغيّ . ( 4 : 48 )
3 -
. . إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ .
هود : 92
الحسن : إنّه خبير بأعمال العباد ليجازيهم بها . ( الطّوسيّ 6 : 55 )
نحوه ابن الجوزيّ . ( 4 : 153 )
الطّوسيّ : إنّه محص لأعمالكم ، لا يفوته شيء منها . ( 6 : 115 )
مثله الطّبرسيّ . ( 3 : 189 )
الزّمخشريّ : قد أحاط بأعمالكم علما ، فلا يخفى عليه شيء منها . ( 2 : 289 )
نحوه الفخر الرّازيّ ( 18 : 51 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 202 ) ، وأبو حيّان ( 5 : 257 ) ، والشّربينيّ ( 2 : 76 ) .
ابن عطيّة : خبر في ضمنه توعّد ، ومعناه محيط علمه وقدرته . ( 3 : 203 )
القرطبيّ : أي عليم . وقيل : حفيظ . ( 9 : 92 )
أبو السّعود : لا يخفى عليه منها خافية ، وإن جعلتموها منسيّا فيجازيكم عليها . ( 3 : 346 )
البروسويّ : [ ذكر نحو أبي السّعود وأضاف : ]
والإحاطة : إدراك الشّيء بكماله ، وإحاطة اللّه بالأعمال مجاز . ( 4 : 179 )
الآلوسيّ : تهديد عظيم لأولئك الكفرة الفجرة ، أي أنّه سبحانه قد أحاط علما بأعمالكم السّيّئة الّتي من جملتها رعايتكم جانب الرّهط ، دون رعاية جنابه جلّ جلاله فيّ ، فيجازيكم على ذلك . ( 12 : 127 )
سيّد قطب : والإحاطة : أقصى الصّور الحسّيّة للعلم