البروسويّ : ولا يقدر جميع أهل العالم أن يحيطوا بذاته تعالى علما ، لأنّه تعالى قديم وعلم المخلوقين لا يحيط بالقديم . وفيه إشارة إلى العجز عن كنه معرفته .
قال بعض الكبار : ما علمه غيره ولا ذكره سواه ، فهو عالم « 1 » والذّاكر على الحقيقة ، وذلك أنّ الحادث فاني الوجود ، والقديم باقي الوجود ، والفاني لا يدرك الباقي إلّا بالباقي ، وإذا أدركه به فلا يبلغ إلى ذرّة من كمال الأزليّة ، لأنّ الإحاطة بوجوده مستحيلة من كلّ الوجوه صفاتا وذاتا وسرّا وحقيقة . قال الواسطيّ : كيف يطلب أن يأخذ طريق الإحاطة وهو لا يحيط بنفسه علما ، ولا بالسّماء وهو يرى جوهرها ؟ [ ثمّ ذكر قول الرّاغب وزاد : ]
قال في « أنوار المشارق » : يجوز في طريقة الصّوفيّة أن يطلب ما يقصر العقل عنه ولا يطيقه ، أي ما لا يدرك بمجرّد العقل ، ولا يجوز أن يطلب ما يحكم العقل باسحالته ، فلا يرد ما يقال : أنّى يحصل للعقول البشريّة أن يسلكوا في الذّات الإلهيّة سبيل الطّلب والتّفتيش ، وأنّى تطيق نور الشّمس أبصار الخفافيش ؟
قال الشّيخ محمّد پارسا في « فصل الخطاب » : لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يحكم العقل باستحالته ، ويجوز أن يظهر فيه ما يقصر العقل عنه ، ومن لم يفرق بين ما يستحيله العقل وما لا يناله العقل فليس له عقل ، انتهى .
قال الشّيخ عزّ الدّين : كنه ذات الحقّ تعالى وصفاته محجوب عن نظر العقول ، ونهاية معرفة العارفين هو أن ينكشف لهم باستحالة معرفة حقيقة ذات اللّه لغير اللّه .
وإنّما اتّساع معرفتهم باللّه إنّما يكون في معرفة أسمائه وصفاته تعالى ، فبقدر ما تنكشف لهم معلوماته تعالى وعجائب مقدوراته وبديع آياته في الدّنيا والآخرة ، يكون تفاوتهم في معرفته سبحانه ، وبقدر التّفاوت في المعرفة ، يكون تفاوتهم في الدّرجات الأخرويّة العالية . ( 5 : 429 )
مكارم الشّيرازيّ : فهو يعلم ما قدّم المجرمون وما فعلوه في الدّنيا ، وهو مطّلع على كلّ أفعالهم وأقوالهم ونيّاتهم في الماضي ، وما سيلاقونه من الجزاء في المستقبل ، إلّا أنّهم لا يحيطون بعلم اللّه . وبهذا فإنّ إحاطة علم اللّه سبحانه تشمل العلم بأعمال هؤلاء وبجزائهم ، وهذان الرّكنان في الحقيقة هما دعامة القضاء التّامّ العادل ، وهو أن يكون القاضي عالما ومطّلعا تماما على الحوادث الّتي وقعت ، وكذلك يعلم بحكمها وجزائها . ( 10 : 72 )
فضل اللّه : لأنّه هو الخالق لهم المحيط بهم في ما يخفون من أمرهم ممّا يسرّونه ، أو في ما يظهرونه منه ممّا يعلنونه ، فهم مكشوفون أمامه بكلّ دقائق وجودهم ، ولكنّهم لا يحيطون به علما ، لأنّهم محدودون في عمرهم وفي تجربتهم وفي آفاق إدراكهم ، فلا يعلمون إلّا بما أراد لهم أن يعلموه ، ولا يحيطون إلّا بما أراد لهم أن يحيطوا به من شؤون السّماء والأرض ، وذلك كلّه كناية عن الإحاطة الكاملة الّتي توحي إليهم بأن يخلصوا له القول ، فلا يقولون ما لا يعتقدون ، ويخلصوا له العمل ، فلا يضمرون غير ما يظهرون في دوافعه ومقاصده .
( 15 : 157 )
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر : فهو العالم .