أبو السّعود : أي علما ومعرفة ، وحفظته من جميع جهاته ، وقرئ ( أحطت ) بإدغام الطّاء في التّاء بإطباق وبغير إطباق ، ولا خفاء في أنّه لم يرد بما ادّعى الإحاطة به ما هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف الّتي تكون معرفتها ، والإحاطة بها من وظائف أرباب العلم والحكمة ، لتوقّفها على علم رصين وفضل مبين ، حتّى يكون إثباتها لنفسه بين يدي نبيّ اللّه سليمان عليه السّلام تعدّيا عن طوره ، وتجاوزا عن دائرة قدره ، ونفيها عنه عليه الصّلاة والسّلام جناية على جناية ، فيحتاج إلى الاعتذار عنه ، بأنّ ذلك كان منه بطريق الإلهام فكافحه عليه الصّلاة والسّلام . . . [ ثمّ ذكر مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة الّتي لا تعدّ الإحاطة بها فضيلة ، ولا الغفلة عنها نقيصة ، لعدم توقّف إدراكها إلّا على مجرّد إحساس يستوي فيه العقلاء وغيرهم ، وقد علم أنّه عليه الصّلاة والسّلام لم يشاهده ، ولم يسمع خبره من غيره قطعا ، فعبّر عنه بما ذكر لترويج كلامه عنده عليه الصّلاة والسّلام ، وترغيبه في الإصغاء إلى اعتذاره واستمالة قلبه نحو قبوله ، فإنّ النّفس للاعتذار المنبئ عن أمر بديع أقبل ، وإلى تلقّي ما لا تعلمه أميل .
( 5 : 78 )
نحوه الآلوسيّ . ( 19 : 186 )
البروسويّ : الإحاطة : العلم بالشّيء من جميع جهاته ،
بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
أي علما ومعرفة ، وحفظته من جميع جهاته ، وذلك لأنّه كان ممّا لم يشاهده سليمان ، ولم يسمع خبره من الجنّ والإنس ، يشير إلى سعة كرم اللّه ورحمته بأن يختصّ طائرا بعلم لم يعلمه نبيّ مرسل ، وهذا لا يقدح في حال النّبيّ والرّسول بأن لا يعلم علما غير نافع في النّبوّة ، فإنّ النّبيّ عليه السّلام كان يستعيذ باللّه منه ، فيقول : « أعوذ بك من علم لا ينفع » . . . [ إلى أن قال : ]
وفي « الأسئلة المقحمة » : هذا سوء أدب في المخاطبة ، فكيف واجهه بمثله وقد احتمله ؟
والجواب : لأنّه عقّبه بفائدة ، والخشونة المصاحبة لفائدة قد يحتملها الأكابر . ( 6 : 338 )
الطّباطبائيّ : والمراد بالإحاطة العلم الكامل . [ إلى أن قال : ]
وقد قيل : إنّ في قول الهدهد :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
كسرا لسورة سليمان عليه السّلام فيما شدّد عليه .
( 15 : 355 )
مكارم الشّيرازيّ : وممّا ينبغي الالتفات إليه أنّ جنود سليمان - حتّى الطّيور الممتثلة لأوامره - كانت عدالة سليمان قد أعطتهم الحرّيّة والأمن والدّعة ، بحيث يكلّمه الهدهد دون خوف وبصراحة لاستار عليها ، فيقول :
أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ .
فتعامل الهدهد وعلاقته مع سليمان لم يكن كتعامل أصحاب القصر المتملّقين للجبابرة الطّغاة . . . إذ يتملّقون في البدء مدّة طويلة ، ثمّ يتضرّعون ويعدّون أنفسهم كالذّرّة أمام الطّود ، ثمّ يهوون على أقدام الجبابرة ، ويبدون حاجتهم في أثناء مائة حالة من التّملّق ، ولا يستطيعون أن يصرّحوا في كلامهم أبدا ، بل يكنّون كناية أرقّ من الورد ، لئلّا يخدش قلب السّلطان غبار كلامهم .
أجل ، إنّ الهدهد قال بصراحة : إنّ غيابي لم يكن اعتباطا وعبثا ، بل جئتك بخبر يقين مهمّ لم تحط به .