الخطيئة به لا تجد إليه سبيلا ، فهو من أصحاب النّار مخلّدا فيها ، ولو كان في قلبه شيء من الإيمان بالفعل ، أو كان معه بعض ما لا يدفع الحقّ من الأخلاق والملكات ، كالإنصاف والخضوع للحقّ ، أو ما يشابههما ، لكانت الهداية والسّعادة ممكنتي النّفوذ إليه ، فإحاطة الخطيئة لا تتحقّق إلّا بالشّرك الّذي قال تعالى فيه :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
النّساء : 48 ، ومن جهة أخرى إلّا بالكفر وتكذيب الآيات ، كما قال سبحانه :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
البقرة : 39 ، فكسب السّيّئة ، وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود في النّار . ( 1 : 215 )
مكارم الشّيرازيّ : إحاطة الخطيئة :
الخطيئة تستعمل غالبا في الذّنوب الّتي لا يرتكبها صاحبها عن عمد ، لكنّها وردت في هذه الآية بمعنى الذّنوب الكبيرة ، أو بمعنى آثار الذّنب في قلب الإنسان وروحه .
مفهوم إحاطة الخطيئة يعني انغماس الفرد في الذّنب إلى درجة يصبح ذلك الفرد سجّين ذنبه .
بعبارة أوضح ، الذّنوب الكبيرة والصّغيرة تبدأ على شكل « فعل » ثمّ تتحوّل إلى حالة ، ومع الاستمرار والإصرار تتحوّل إلى ملكة ، وعند اشتدادها تغمر وجود الإنسان وتصبح عين وجوده ، عندئذ لا تجدي مع هذا الفرد موعظة ولا يؤثّر فيه توجيه ولا نصح ؛ إذ إنّه عمل عن اختيار على قلب ماهيّته . ( 1 : 244 )
فضل اللّه :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
من كلّ جانب ، فأينما يتوجّه ويتحرّك فهناك خطيئة في فكره وفي عمله .
ولعلّ الشّرك الّذي لا يغفره اللّه هو التّجسيد الحيّ لهذه السّيّئة الّتي يكسبها الإنسان ، فتعبّده عن اللّه في توحيد العقيدة والعبادة ، ويستغرق في الصّنميّة الّتي تحوّل حياته إلى جدار مسدود لا مجال فيه للأفق الواسع ، وإلى كهف مظلم لا ينفذ إليه النّور من أيّة جهة ، فيكون هذا الإنسان خطيئة متجسّدة في حركة الباطل والشّرّ والفساد في واقعه الدّاخليّ والخارجيّ . ( 2 : 105 )
أحطت - لم تحط
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ .
النّمل : 22
ابن عبّاس : بلغت إلى ما لم تبلغ ، وعلمت ما لم تعلم أيّها الملك . ( 317 )
نحوه قتادة . ( الماورديّ 4 : 202 )
اطّلعت على ما لم تطّلع عليه . ( الماورديّ 4 : 203 )
مقاتل : يقول : علمت ما لم تعلم به ،
وَجِئْتُكَ
بأمر لم تخبرك به الجنّ ولم تنصحك فيه ، ولم يعلم به الإنس ، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك . ( 3 : 301 )
نحوه الطّبرسيّ . ( 4 : 218 )
الثّوريّ : علمت ما لم تعلمه . ( الماورديّ 4 : 202 )
نحوه ابن زيد ( الطّبريّ 19 : 147 ) ، والثّعلبيّ ( 7 :
201 ) ، والقرطبيّ ( 13 : 181 ) .
الفرّاء : قال بعض العرب : أحطّ ، فأدخل الطّاء مكان التّاء ، والعرب إذا لقيت الطّاء التّاء فسكّنت الطّاء قبلها صيّروا الطّاء تاء ، فيقولون : أحتّ ، كما يحوّلون الظّاء