مسكرا فجنى جناية .
قال بعض المحقّقين : ولذلك أضاف الإحاطة إليها إشارة إلى أنّ السّيّئات باعتبار وصف الإحاطة داخلة تحت القصد بالعرض ، لأنّها بسبب نسيان التّوبة .
ولكونها راسخة فيه متمكّنة حال الإحاطة أضافها إليه ، بخلاف حال الكسب فإنّها متعلّق القصد بالذّات ، وغير حاصلة فيه فضلا عن الرّسوخ ؛ فلذا أضاف الكسب إلى سيّئة ونكّرها . وإضافة ( الأصحاب ) إلى النّار على معنى الملازمة ، لأنّ الصّحبة وإن شملت القليل والكثير ، لكنّها في العرف تخصّ بالكثرة والملازمة ، ولذا قالوا : لو حلف من لاقى زيدا أنّه لم يصحبه لم يحنث .
والمراد ب « الخلود » الدّوام ، ولا حجّة في الآية على خلود صاحب الكبيرة ، لأنّ الإحاطة إنّما تصحّ في شأن الكافر ، لأنّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه ، فلم تحط خطيئته به ، لكون قلبه ولسانه منزّها عن الخطيئة .
وهذا لا يتوقّف على كون التّصديق والإقرار حسنتين ، بل على أن لا يكونا سيّئتين ، فلا يرد البحث بأنّ الخصم يجعل العمل شرطا لكونهما حسنتين ، كما يجعل الاعتقاد شرطا لكون الأعمال حسنات ، فلا يتمّ عنده أنّ الإحاطة إنّما تصحّ في شأن الكافر ، ولا يحتاج إلى الدّفع بأنّ المقصود أنّه لا حجّة له في الآية ، وهذا يتمّ بمجرّد كون الإحاطة ممنوعة في غير الكافر ، فلو ثبت أنّ العمل داخل في الإيمان صارت الآية حجّة - ودون إثباته خرط القتاد .
ثمّ إنّ نفي الحجّيّة بحمل الإحاطة على ما ذكر ، إنّما يحتاج إليه إذا كانت السّيّئة والخطيئة بمعنى واحد ، وهو مطلق الفاحشة . أمّا إذا فسّرت السّيّئة بالكفر أو الخطيئة به - حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ، وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ، وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والرّبيع - فنفي الحجّيّة أظهر من نار على علم .
ومن النّاس من نفاها بحمل « الخلود » على أصل الوضع وهو اللّبث الطّويل ، وليس بشيء ، لأنّ فيه تهوين الخطب في مقام التّهويل ، مع عدم ملائمته حمل الخلود في الجنّة على الدّوام .
وكذا لا حجّة في قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
البقرة : 80 إلخ ، بناء على ما زعمه الجبّائيّ ؛ حيث قال : دلّت الآية على أنّه تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده بإخراج أهل الكبائر والمعاصي من النّار بعد التّعذيب ، وإلّا لما أنكر على اليهود بقوله تعالى :
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ
إلخ . وقد ثبت أنّه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجرا لهم عن المعاصي ، فقد ثبت أن يكون عذابهم دائما .
وإذا ثبت في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمّة ؛ إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذا كان قدر المعصية واحدا ، لأنّ ما أنكر اللّه عليهم جزمهم بقلّة العذاب لا انقطاعه مطلقا ، على أنّ ذلك في حق الكفّار لا العصاة كما لا يخفى .
و ( من ) تحتمل أن تكون شرطيّة ، وتحتمل أن تكون موصولة ، والمسوّغات لجواز دخول « الفاء » في الخبر إذا كان المبتدأ موصولا موجودة ، ويحسّن الموصوليّة مجيء الموصول في قسيمه .