بعد سقيا » ولم ينوّن في القراءات المشهورة مراعاة لأصله الّذي نقل منه وهو الحرف ، ألا تراهم قالوا : من عن يمينه ، فجعلوا « عن » اسما ولم يعربوه ، وقالوا : من عليه ، فلم يثبتوا ألفه مع المضمر ، بل أبقوا « عن » على بنائه وقلبوا ألف « على » مع الضّمير مراعاة لأصلها .
وأما قراءة الحسن وقراءة أبيّ بالإضافة فهو مصدر مضاف إلى ألفه ، كما قالوا : سبحان اللّه ، وهذا اختيار الزّمخشريّ .
وقال ابن عطية : وأمّا قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود فقال أبو عليّ : إنّ « حاشى » حرف استثناء كما قال الشّاعر :
* حاشى أبي ثوبان *
انتهى .
وأمّا قراءة الحسن ( حاش ) بالتّسكين ففيها جمع بين ساكنين وقد ضعّفوا ذلك . قال الزّمخشريّ والمعنى تنزيه اللّه من صفات العجز ، والتّعجّب من قدرته على خلق جميل مثله . وأمّا قوله :
حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
فالتّعجّب من قدرته على خلق عفيف مثله .
( 5 : 303 )
الآلوسيّ : أصله ( حاشا اللّه ) بالألف كما قرأ أبو عمرو في « الدّرج » ، فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا ، وهو على ما قيل : حرف وضع للاستثناء والتّنزيه معا ، ثمّ نقل وجعل اسما بمعنى التّنزيه ، وتجرّد عن معنى الاستثناء ، ولم ينوّن مراعاة لأصله المنقول عنه ، وكثيرا ما يراعون ذلك ، ألا تراهم قالوا : جلست من عن يمينه ؟ فجعلوا « عن » اسما ولم يعربوه ، وقالوا : غدت من عليه ، فلم يثبتوا ألف « على » مع المضمر ، كما أثبتوا ألف « فتى » في فتاه ، كلّ ذلك مراعاة للأصل ، و « اللّام » للبيان فهي متعلّقة بمحذوف .
وردّ في « البحر » دعوى إفادته التّنزيه في الاستثناء بأنّ ذلك غير معروف عند النّحاة ، ولا فرق بين : قام القوم إلّا زيدا ، وحاشا زيدا . وتعقّب بأنّ عدم ذكر النّحاة ذلك لا يضرّ ؛ لأنّه وظيفة اللّغويّين لا وظيفتهم .
واعترض بعضهم حديث النّقل بأنّ الحرف لا يكون اسما إلّا إذا نقل وسمّي به وجعل علما ، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب ، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل بمعنى برئ اللّه تعالى من السّوء ، ولعلّ دخول اللّام كدخولها في
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ
المؤمنون :
36 ، وكون المعنى على المصدريّة لا يرد عليه ، لأنّه قيل :
إنّ أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر ، وهو المنقول عن الزّجّاج .
نعم ذهب المبرّد ، وأبو عليّ ، وابن عطيّة ، وجماعة : إلى أنّه فعل ماض بمعنى جانب ، وأصله من حاشية الشّيء :
وحشيه ، أي جانبه وناحيته ، وفيه ضمير يوسف واللّام للتّعليل متعلّقة به ، أي جانب يوسف ما قرف به للّه تعالى ؛ أي لأجل خوفه ومراقبته . والمراد تنزيهه وبعده ، كأنّه صار في جانب عمّا اتّهم به ، لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهّة النّبوّة عليه الصّلاة والسّلام . ولا يخفى أنّه على هذا يفوت معنى التّعجّب .
واستدلّ على اسميّتها بقراءة أبي السّمال « حاشا للّه » بالتّنوين ، وهو في ذلك على حدّ : « سقيا لك » .
وجوّز أن يكون اسم فعل والتّنوين كما في « صه » ، وكذا بقراءة أبيّ ، وعبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما « حاشا