2 - ويبدو من نصوص اللّغة العربيّة وبعض أخواتها أنّ « الحوب » كان مستعملا بكثرة في كلام السّاميّين ، خلافا لهذا العصر ؛ إذ لا يلحظ له استعمال في اللّغات السّاميّة الحيّة حاليّا ، كالعربيّة والعبريّة والسّريانيّة .
ولولا استعمال لفظ « الحوبة » اليوم في العراق ، لأميت ذكره ، واندرس أثره ؛ يقول العراقيّون عند الشّماتة والتّأنيب : هذه حوبة فلان ، أي هذا جزاء إثمك وتفريطك في حقّه .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها « حوبا » مرّة في آية :
1 -
. . . وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً
النّساء : 2
يلاحظ أوّلا : أنّ هذا اللّفظ وحيد الجذر في القرآن ، لكنّه مدنيّ خلافا لأمثاله فإنّها مكّيّة . لاحظ المدخل :
بحث الألفاظ وحيدة الجذر في القرآن . وفيه بحوث :
1 - فسّره ابن عبّاس تارة بالذّنب وأخرى بالإثم ، وفسّره قتادة بالظّلم ، وهي معاني متقاربة متلازمة . وقد استدلّ مكارم الشّيرازيّ وفضل اللّه بقول الرّاغب في معنى الحوبة : « هي الحاجة الّتي تحمل صاحبها على ارتكاب الإثم » على استعمال لفظ « الحوب » بدل « الإثم » ، لسطوة القيّم على مال اليتيم للحاجة إليه ، أو بذريعة الحاجة إليه .
ولعلّ الإثم أقرب من سائر نظائره إلى الحوب ؛ لأنّه وصف بالكبر أيضا في قوله تعالى :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
البقرة :
219 .
2 - قرئ « حوب » و « حاب » أيضا ، فالأولى لغة تميم كما قال الفرّاء ، والثّانية على المصدريّة ، وقال الثّعلبيّ :
« يجوز أن يكون اسما ، مثل : الزّاد والنّار ، ويقال للذّنب :
حوب وحوب وحاب » .
3 - جاء أكل أموال اليتامى في موضع آخر من نفس السّورة أيضا ، وهو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
النّساء : 10 ، وكأنّه يفسّر الحوب بأكل النّار وصلي السّعير ، لأنّه ينجرّ إليهما . وكأنّ قتادة أخذ تفسير « حوب » ب « ظلم » من هذه الآية .
4 - استعمل أكل « أموال اليتامى » مرّتين في هذه السّورة المدنيّة ، واستعمل قرب « مال اليتيم » مرّتين أيضا في سورتين مكّيّتين بلفظ واحد ، وهو قوله :
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ *
الأنعام :
152 ، والإسراء : 34 . ففي أكل أموال اليتامى نهي وتهديد ، وفي قربها نهي دون تهديد ، فهل القرب أهون من الأكل ؟ ؛ أو لأنّه ذريعة إلى الأكل المحرّم وليس محرّما في نفسه . انظر ( أك ل ) و ( ق ر ب ) و ( ي ت م ) .