قوله :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة ، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة . فالحنان هو المحبّة في شفقة وميل ، كما تقول العرب : حنّت النّاقة على ولدها ، وحنّت المرأة على زوجها . ومنه سمّيت المرأة : حنّة ، من الحنية ، وحنّ الرّجل إلى وطنه ، ومنه التّعطّف والرّحمة .
[ ثمّ استشهد بشعر ] ( 4 : 442 )
الشّربينيّ : أي وآتيناه رحمة وهيبة ووقارا ، ورقّة قلب ورزقا وبركة . ( 2 : 416 )
أبو السّعود :
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا
عطف على ( الحكم ) وتنوينه للتّفخيم ، وهو التّحنّن والاشتياق .
و ( من ) متعلّقة بمحذوف وقع صفة مؤكّدة لما أفاده التّنوين من الفخامة الذّاتيّة بالفخامة الإضافيّة ، أي وآتيناه رحمة عظيمة عليه ، كائنة من جنابنا ، أو رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما . ( 4 : 234 )
الآلوسيّ : [ نحو الزّمخشريّ وأبي السّعود إلى أن قال : ]
أي وآتيناه رحمة عظيمة عليه ، كائنة من جنابنا .
وهذا أبلغ من « ورحمناه » ، وروي هذا التّفسير عن مجاهد .
وقيل : المراد وآتيناه رحمة في قلبه وشفقة على أبويه وغيرهما . وفائدة الوصف على هذا الإشارة إلى أنّ ذلك كان مرضيّا للّه عزّ وجلّ ، فإنّ من الرّحمة والشّفقة ما هو غير مقبول ، كالّذي يؤدّي إلى ترك شيء من حقوق اللّه سبحانه ، كالحدود مثلا ، أو الإشارة إلى أنّ تلك الرّحمة زائدة على ما في جبلّة غيره عليه السّلام ، لأنّ ما يهبه العظيم عظيم .
وأورد على هذا : أنّ الإفراط مذموم كالتّفريط ، وخير الأمور أوسطها .
وردّ بأنّ مقام المدح يقتضي ذلك ، وربّ إفراط يحمد من شخص ويذمّ من آخر ، فإنّ السّلطان يهب الألوف ، ولو وهبها غيره كان إسرافا مذموما .
وعن ابن زيد : أنّ الحنان هنا المحبّة ، وهو رواية عن عكرمة ، أي وآتيناه محبّة من لدنّا ، والمراد - على ما قيل - جعلناه محبّبا عند النّاس ، فكلّ من رآه أحبّه ، نظير قوله تعالى :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
طه : 39 .
وجوّز بعضهم أن يكون المعنى نحو ما تقدّم على القول السّابق .
وقيل : هو منصوب على المصدريّة ، فيكون من باب
زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً
فصّلت : 12 .
وجوّز أن يجعل مفعولا لأجله ، وأن يجعل عطفا على ( صبيّا ) ؛ وذلك ظاهر على تقدير : أن يكون المعنى رحمة لأبويه وغيرهما ، وعلى تقدير أن يكون : وحنانا من اللّه تعالى عليه ، لا يجيء الحال وباقي الأوجه بحاله ، ولا يخفى على المتأمّل الحال ، على ما روي عن ابن زيد .
( 16 : 72 )
سيّد قطب : وآتاه الحنان هبة لدنّيّة ، لا يتكلّفه ولا يتعلّمه ، إنّما هو مطبوع عليه ومطبوع به ، والحنان صفة ضروريّة للنّبيّ المكلّف رعاية القلوب والنّفوس ، وتألّفها واجتذابها إلى الخير في رفق . ( 4 : 2304 )
ابن عاشور : وجعل حنان يحيى من لدن اللّه ، إشارة إلى أنّه متجاوز المعتاد بين النّاس . ( 16 : 18 )
الطّباطبائيّ : والحنان : العطف والإشفاق . [ ثمّ نقل