تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فكأنّه تعالى قال : إنّما استجبنا لزكريّا دعوته بأن أعطيناه ولدا ، ثمّ آتيناه الحكم صبيّا ، وحنانا من لدنّا عليه ، أي على زكريّا فعلنا ذلك ، ( وزكاة ) أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدّعاء . والثّالث : أن يكون الحنان من اللّه تعالى لأمّة يحيى عليه السّلام ، كأنّه تعالى قال :
وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَناناً
منّا على أمّته ، لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده . أمّا إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السّلام ، ففيه وجوه : الأوّل : آتيناه الحكم والحنان على عبادنا ، أي التّعطّف عليهم ، وحسن النّظر على كافّتهم فيما أولّيه من الحكم عليهم ، كما وصف نبيّه فقال :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
آل عمران : 159 ، وقال :
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
التّوبة : 128 ، ثمّ أخبر تعالى أنّه آتاه زكاة ، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب ، لأنّ الرّأفة واللّين ربما أورثا ترك الواجب . ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
النّور : 2 ، وقال :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
التّوبة : 123 ، وقال :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
المائدة : 54 ، فالمعنى إنّما جعلنا له التّعطّف على عباد اللّه مع الطّهارة عن الإخلال بالواجبات . ويحتمل آتيناه التّعطّف على الخلق والطّهارة عن المعاصي ، فلم يعص ولم يهمّ بمعصية . وفي الآية وجه آخر ، وهو المنقول عن عطاء بن أبي رباح
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ،
والمعنى : آتيناه الحكم صبيّا تعظيما ؛ إذ جعلناه نبيّا وهو صبيّ ، ولا تعظيم أكثر من هذا . والدّليل عليه ما روي أنّه مرّ ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذّب ، قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء ، ويقول : أحد أحد ، فقال : والّذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتّخذنّه حنانا ، أي معظّما . ( 21 : 192 ) القرطبيّ : [ نحو ابن عطيّة إلى أن قال : ] أي تعطّفا منّا عليه أو منه على الخلق . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 11 : 88 ) البيضاويّ : ورحمة منّا عليه ، أو رحمة وتعطّفا في قلبه على أبويه وغيرهما ، عطفا على الحكم . ( 2 : 30 ) نحوه النّسفيّ . ( 3 : 30 ) النّيسابوريّ : والحنان : أصله توقان النّفس ، ثمّ استعمل في الرّحمة ، وهو المراد هاهنا . وما قيل : إنّه يحتمل أن يراد حنانا منّا على زكريّا أو على أمّة يحيى ، لا يساعده وجود الواو . وقيل : أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا ، كقوله في نبيّنا :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
آل عمران : 159 . وأراد بقوله : ( وزكاة ) أنّه مع الإشفاق عليهم كان لا يخلّ بإقامة ما يجب عليهم ، لأنّ الرّأفة واللّين ربّما تورث ترك الواجب ، ولهذا قال :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
النّور : 2 ، ولا يخفى أنّه لا يساعد هذا القول وجود لفظة
مِنْ لَدُنَّا
( 16 : 41 ) ابن كثير : [ ذكر بعض الأقوال وقال : ] والظّاهر من السّياق أنّ قوله : ( وحنانا ) معطوف على