الأوّل : أنّ شريعتهما سهلة سمحة ، ففي الحديث : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لم يرسلني اللّه بالرّهبانيّة ، ولكن بعثني بالحنيفيّة السّهلة السّمحة « 1 » » . وعن ابن عبّاس قال :
قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيّ الأديان أحبّ إلى اللّه ؟ قال :
« الحنيفيّة السّمحة « 2 » » .
والثّاني : أنّ النّبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من أبناء إبراهيم عليه السّلام ، لأنّ ابنه إسماعيل عليه السّلام من زوجه هاجر تزوّج امرأة من جرهم ، القبيلة العربيّة المنقرضة ، فأنجب أولادا هم آباء العرب المستعربة ، وكان نبيّنا من نسله ، فهو ابن إبراهيم ووارث علمه وشريعته .
وذكر الفخر الرّازيّ وجها آخر فقال : « لمّا ثبت أنّ إبراهيم كان قائلا بالتّوحيد ، وثبت أنّ النّصارى يقولون بالتّثليث ، واليهود يقولون بالتّشبيه ، فثبت أنّهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السّلام ، وأنّ محمّدا عليه السّلام لمّا دعا إلى التّوحيد ، كان هو على دين إبراهيم » . ويؤيّده ( 8 )
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً .
3 - أمر اللّه تعالى النّبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ( 9 ) و ( 10 ) بإقامة وجهه للدّين حنيفا ، دون ما ذكر في حال النّبيّ إبراهيم عليه السّلام . وهذا يدلّ على مرحليّة شريعة إبراهيم وخلود شريعة الإسلام ، لأنّ لفظ الإقامة يفيد الاستمرار على الشّيء والثّبات عليه .
ثانيا : جاء « حنفاء » في ( 11 و 12 ) جمعا لحنيف ، وفيه بحوث :
1 - أمر في ( 11 ) باجتناب الرّجس من الأوثان ، واجتناب قول الزّور ، في حال كونهم حنفاء للّه ، غير مشركين به . وفسّر الفخر الرّازيّ الحنفاء هنا بالمخلصين . أي ائتمروا وانتهوا بما ذكر على وجه العبادة للّه وحده ، لا على وجه إشراك غير اللّه به . ثمّ خلص إلى القول : « وهذا يدلّ على أنّ الواجب على المكلّف أن ينوي بما يأتيه من العبادة : الإخلاص » .
وعدّ النّيسابوريّ معنى الحالين
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ
التّولّي والتّبرّي ، وقال : « وإنّما أخّر نفي الإشراك - وإن كان مقدّما في الرّتبة ؛ إذ التّخلية والتّبرئة مقدّمة على التّحلية والتّولية - ليرتّب عليه قوله :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ .
ونرى أنّ الكلام على أصله ، وليس ثمّة تأخير ولا تقديم خلافا للنّيسابوريّ ، وأنّ معنى ( حنفاء ) مائلين إلى اللّه ، أي إلى عبادته ، وليس كما ذهب إليه الفخر الرّازيّ من أنّ ( حنفاء ) : مخلصين لأنّ ( مخلصين ) مذكور في ( 13 ) قبل حنفاء :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ
فهما متغايران .
ومعنى اللّام الدّاخلة على لفظ الجلالة على هذا القول هو « إلى » ، ونظيره قوله تعالى :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
الزّلزلة : 5 ، أي أوحى إليها .
2 - ما أمر اللّه أهل الكتاب في ( 12 ) بأن يعبدوه ويخلصوا له الدّين فحسب ، بل أمرهم أيضا أن يعبدوه حنفاء ، فما فائدة ذلك ؟ قال القاضي عبد الجبّار : « المراد مستقيمي الطّريقة ، لأنّهم أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين
هامش
( 1 ) الكافيّ ( 2 : 56 ) .
( 2 ) صحيح البخاريّ - كتاب الإيمان ( 29 ) ومسند أحمد ( 1 :
236 ) .