فلا .
فالحقّ سبحانه كأنّه يقول : إن كنت عابدا فاعبد كعبادته ، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السّلاطين ، أما تترك الحرام وموافقة الشّياطين ؟ فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم ، فاجتهد في متابعة ولده الصّبيّ ، كيف انقاد لحكم ربّه مع صغره ، فمدّ عنقه لحكم الرّؤيا .
وإن كنت دون الرّجل فاتّبع الموسوم بنقصان العقل ، وهو أمّ الذّبيح ، كيف تجرّعت تلك الغصّة .
ثمّ إنّ المرأة الحرّة نصف الرّجل ، فإنّ الاثنتين يقومان مقام الرّجل الواحد في الشّهادة والإرث ، والرّقيقة نصف الحرّة بدليل أنّ للحرّة ليلتين من القسم ، فهاجر كانت ربع الرّجل ، ثمّ انظر أنّها كيف أطاعت ربّها فتحمّلت المحنة في ولدها ، ثمّ صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكّة بلا ماء ولا زاد ، وانصرف لا يكلّمها ولا يعطف عليها ، قالت : آللّه أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم ، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاقّ .
والقول الثّاني : المراد من قوله : ( حنفاء ) أي مستقيمين ، والحنف هو الاستقامة ، وإنّما سمّي مائل القدم أحنف على سبيل التّفاؤل ، كقولنا للأعمى : بصير ، وللمهلكة مفازة . ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
فصّلت : 30 ،
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
فاتحة الكتاب : 5 .
القول الثّالث : قال ابن عبّاس رضي اللّه عنهما :
حجّاجا ؛ وذلك لأنّه ذكر العباد أوّلا ثمّ قال : ( حنفاء ) ، وإنّما قدّم الحجّ على الصّلاة ، لأنّ في الحجّ صلاة وإنفاق مال .
الرّابع : قال أبو قلابة : الحنيف : الّذي آمن بجميع الرّسل ، ولم يستثن أحدا منهم ، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا ؟
الخامس : ( حنفاء ) أي جامعين لكلّ الدّين ؛ إذ الحنيفيّة كلّ الدّين . قال عليه السّلام : « بعثت بالحنيفيّة السّهلة السّمحة » .
السّادس : قال قتادة : هي الختان ، وتحريم نكاح المحارم ، أي مختونين محرمين لنكاح الأمّ والمحارم . فقوله :
( حنفاء ) إشارة إلى النّفي ، ثمّ أردفه بالإثبات ، وهو قوله :
( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) .
السّابع : قال أبو مسلم : أصله من الحنف في الرّجل ، وهو إدبار إبهامها عن أخواتها حتّى يقبل على إبهام الأخرى ، فيكون الحنيف هو الّذي يعدل عن الأديان كلّها إلى الإسلام .
الثّامن : قال الرّبيع بن أنيس : الحنيف : الّذي يستقبل القبلة بصلاته ، وإنّما قال ذلك لأنّه عند التّكبير يقول :
وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا . ( 32 : 46 )
الخازن : [ نقل بعض الأقوال ثمّ قال : ]
وقيل : الحنيف : الّذي آمن بجميع الأنبياء والرّسل ، ولا يفرّق بين أحد منهم ، فمن لم يؤمن بأشرف الأنبياء وهو محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فليس بحنيف . ( 7 : 232 )
الشّربينيّ : أي مائلين عن الأديان كلّها إلى دين الإسلام . وأصل الحنف في اللّغة : الميل ، وخصّه العرف بالميل إلى الخير ، وسمّوا الميل إلى الشّرّ : إلحادا .
والحنيف : المطلق الّذي يكون متبرّئا عن أصول