الرّغبة . ومن رغب عن كلّ انحراف فقد سار على الصّراط المستقيم .
وعلى هذا فإنّ الآية السّابقة اعتبرت الإخلاص وقصد القربة إلى اللّه محرّكا أساسيّا في الحجّ والعبادات الأخرى ، حيث ذكرت ذلك بشكل عامّ ، فالإخلاص أصل العبادة . والمراد : الإخلاص الّذي لا يخالطه أيّ نوع من الشّرك وعبادة غير اللّه . [ ثمّ ذكر حديث الإمام الباقر عليه السّلام وقال : ]
إنّ التّفسير الّذي تضمّنه هذا الحديث ، هو في الواقع إشارة إلى أساس الإخلاص ، أي الفطرة التّوحيديّة الّتي تكون مصدرا لقصد القربة إلى اللّه ، وتحريكا ذاتيّا من اللّه .
( 10 : 305 )
فضل اللّه : مستقيمين في الحقّ ومائلين عن الباطل ، وذلك بالالتزام بالتّوحيد الخالص الّذي يرفض الشّرك من موقع صفاء التّصوّر والفكر والشّعور ، وحركة الحقّ في داخل الذّات . . . ( 16 : 63 )
2 -
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ . . .
البيّنة : 5
عبد الجبّار : وربّما قيل : ما الفائدة في قوله تعالى :
( حنفاء ) ، وإذا عبدوا اللّه وأخلصوا كفى ذلك ؟
وجوابنا : أنّ المراد مستقيمي الطّريقة ، لأنّهم أمروا بأن يعبدوا اللّه مخلصين له الدّين ، على هذا الوجه . وقد قيل في الإخلاص : إنّ المراد به تخليص الطّاعات من الكبائر ، فيشهد لما ذكرناه .
ويجوز أن يراد به : وما أمروا إلّا بذلك على هذا الوجه السّهل ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت بالحنيفيّة السّمحاء » .
وهذه الآية دالّة على أنّ كلّ عبادة من الدّين ، وعلى أنّ ما يعبد اللّه به يجب أن يفعل على هذا الوجه ، وفعله على هذا الوجه دون غيره لا يتمّ إلّا والعبد متمكّن من فعله على غير هذا الوجه . وقوله تعالى :
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
الآية ، يدلّ أيضا على ما ذكرنا . ( 472 )
الفخر الرّازيّ : فيه أقوال :
[ القول ] الأوّل : قال مجاهد : متّبعين دين إبراهيم عليه السّلام ، ولذلك قال :
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
النّحل : 123 ، وهذا التّفسير فيه لطيفة ، كأنّه سبحانه لمّا علم أنّ التّقليد مستول على الطّباع لم يستجز منعه عن التّقليد بالكلّيّة ، ولم يستجز التّعويل على التّقليد أيضا بالكلّيّة ، فلا جرم ذكر قوما أجمع الخلق بالكلّيّة على تزكيتهم ، وهو إبراهيم ومن معه ، فقال :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
الممتحنة : 4 ، فكأنّه تعالى قال : إن كنت تقلّد أحدا في دينك ، فكن مقلّدا إبراهيم ؛ حيث تبرّأ من الأصنام .
وهذا غير عجيب ، فإنّه قد تبرّأ من نفسه حين سلّمها إلى النّيران ، ومن ماله حين بذله للضّيفان ، ومن ولده حين بذله للقربان . بل روي أنّه سمع : سبّوح قدّوس فاستطابه ، ولم ير شخصا فاستعاده ، فقال : أمّا بغير أجر فلا . فبذل كلّ ما ملكه فظهر له جبريل عليه السّلام ، وقال : حقّ لك حيث سمّاك خليلا فخذ مالك ، فإنّ القائل : كنت أنا ، بل انقطع إلى اللّه حتّى عن جبريل حين قال له : أمّا إليك