فالنّظم على حدّ : أنا حاتم جوادا ، أو من المضاف إليه بناء على ما ارتضوه : من أنّه يجوز مجيء الحال منه في ثلاث صور : إذا كان المضاف مشتقّا عاملا ، أو جزء ، أو بمنزلة الجزء في صحّة حذفه كما هنا ، فإنّه يصحّ : اتّبعوا إبراهيم ، بمعنى : اتّبعوا ملّته .
وقيل : إنّ الّذي سوّغ وقوع الحال من المضاف إليه ، كونه مفعولا لمعنى الفعل المستفاد من الإضافة أو اللّام - وإليه يشير كلام أبي البقاء - ولعلّه أولى لاطّراده في التّقدير الأوّل .
وقيل : هو منصوب بتقدير : أعني . ( 1 : 394 )
القاسميّ : مستقيما ، أو مائلا عن الباطل إلى الحقّ .
[ ثمّ ذكر نحو الرّياشيّ وقال : ]
ويطلق على ميل في صدر القدم ، واعوجاج في الرّجل ، فالحنيف : المستقيم على إسلامه للّه تعالى ، المائل عن الشّرك إلى دين اللّه سبحانه . ( 2 : 270 )
رشيد رضا : أي بل نتّبع أو اتّبعوا ملّة إبراهيم الّذي لا نزاع في هداه ولا في هديه ، فهي الملّة الحنيفيّة القائمة على الجادّة بلا انحراف ولا زيغ . العريقة في التّوحيد والإخلاص بلا وثنيّة ولا شرك .
والحنيف في اللّغة : المائل . وإنّما أطلق على إبراهيم ، لأنّ النّاس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر ، فخالفهم كلّهم وتنكّب طريقتهم ، ولا يسمّى المائل حنيفا إلّا إذا كان الميل عن الجادّة المعبّدة . وفي « الأساس » : من مال عن كلّ دين أعوج . ويطلق على المستقيم ، وبه فسّر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدا من اللّغة ، وهو أقرب .
ومن التّأويلات البعيدة : ما روي من تفسير الحنيف بالحاجّ ، ووجّه القول به أنّه ممّا حفظ من دين إبراهيم . ( 1 : 480 )
ابن عاشور : والحنيف « فعيل » بمعنى « فاعل » مشتق من « الحنف » بالتّحريك ، وهو الميل في الرّجل .
[ ثمّ استشهد بشعر ]
والمراد - الميل في المذهب - : أنّ الّذي به حنف يميل في مشيه عن الطّريق المعتاد ، وإنّما كان هذا مدحا للملّة ، لأنّ النّاس يوم ظهور ملّة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء ، فجاء دين إبراهيم مائلا عنهم فلقّب بالحنيف ، ثمّ صار الحنيف لقب مدح بالغلبة .
والوجه أن يجعل ( حنيفا ) حالا من ( إبراهيم ) ، وهذا من مواضع الاتّفاق على صحّة مجيء الحال من المضاف إليه ، ولك أن تجعله حالا ل ( ملّة ) إلّا أنّ « فعيلا » بمعنى « فاعل » يطابق موصوفه ، إلّا أن تؤوّل ( ملّة ) ب « دين » على حدّ
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
الأعراف : 56 ، أي إحسانه ، أو تشبيه « فعيل » إلخ بمعنى « فاعل » ب « فعيل » بمعنى « مفعول » .
وقد دلّت هذه الآية على أنّ الدّين الإسلاميّ من إسلام إبراهيم . ( 1 : 717 )
المصطفويّ : [ ذكر عدّة آيات ثمّ قال : ]
فالحنيف ، هو ذو الوقار والطّمأنينة والسّلامة ، بعيدا عن الإفراط والتّفريط ، والشّدّة والحدّة ، والتّجاوز عن الاستقامة والملائمة ، ويلازم هذا المعنى مصونيّته عن الشّرك وعن ما يقوله اليهود والنّصارى من أقوال حادّة ، خارجة عن الاعتدال والحقيقة .