تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
من أسلم وجهه للّه ، وأقامه عليه وحده ، دون أن يلتفت إلى سواه . واليهود والنّصارى ، لم يسلموا وجههم لإله واحد ، قائم على هذا الوجود ، متفرّد به ؛ إذ جعل اليهود إلههم إلها فرديّا ، هو ربّهم ، وقائد جنودهم ، وقائم على تدبير شؤونهم ، هم وحدهم . أمّا النّاس جميعا غيرهم ، فلهم إلههم أو آلهتهم ! ولا شأن لهذا الإله أو تلك الآلهة باليهود ، كما لا شأن لليهود بها . هكذا يعتقدون . أمّا النّصارى فإلههم هو ثلاثة : أب ، وابن ، وروح قدس ، تجتمع وتتفرّق ، فإذا اجتمعت كانت إلها واحدا ، وإذا تفرّقت كان كلّ منها إلها كاملا . وهذا وذاك ، على غير الحقّ ، وعلى غير ما يدين به إبراهيم ، الّذي ينسبون دينهم إليه ، لأنّ ذلك شرك ، واللّه تعالى يقول في إبراهيم :
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فكيف ينتسب إليه المشركون ؟ وكيف تصحّ تلك النّسبة ، أو تستقيم على وجه ؟ ( 2 : 488 ) 3 -
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
الأنعام : 79 أبو العالية : الحنيف : الّذي يستقبل البيت في صلاته . ( الفخر الرّازيّ 12 : 58 ) عزّة دروزة : تعليق على وصف إبراهيم عليه السّلام بالحنيف : وهذه أوّل مرّة وصف بها إبراهيم عليه السّلام في القرآن بالحنيف ، ثمّ تكرّر ذلك . وقد علّقنا على هذه الكلمة في سياق تفسير سورة يونس بما فيه الكفاية . غير أنّنا بمناسبة وصف إبراهيم بها نقول : إنّ بعض المستشرقين ومنهم كايتاني الطّليانيّ ، قالوا : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هو أوّل من أشار إلى ملّة إبراهيم ووصفه بالحنيف ، وأنّ هذا كان مجهولا في أوساط العرب . وهذا خطأ فيما نعتقد ، فورود الكلمة مكرّرة في القرآن المكّيّ في صور وصف ملّة إبراهيم ، والرّوايات المرويّة عن وجود أشخاص كانوا على ملّة إبراهيم موحّدين غير مشركين ، وكانوا يسمّونها بالحنيفيّة - على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة يونس - دلائل قويّة على أنّ « وصف إبراهيم بالحنيف » كان مستعملا قبل نزول القرآن ، وأنّ ملّة إبراهيم الحنيفيّة كان ممّا يذكر في أوساط العرب ، وأنّ هذا الوصف كان يعني التّوحيد وعدم الشّرك ، كما جاء في آيات عديدة ، منها إحدى آيات الفصل الّذي نحن في صدده . ومنها :
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
الحجّ : 31 . ولا سيّما أنّ في القرآن إشارات عديدة - كما قلنا - تفيد تداول العرب صلتهم البنويّة بإبراهيم وملّته . والمماراة في هذا مكابرة لا شكّ فيها . . . ( 4 : 188 ) 4 -
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
الأنعام : 161 الواحديّ : ( حنيفا ) منصوب على الحال من ( إبراهيم ) ، والمعنى : عرّفني ملّة إبراهيم في حال حنيفيّته . ( 2 : 344 ) نحوه الزّمخشريّ ( 2 : 64 ) ، وابن عطيّة ( 2 : 369 ) ،