تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
إبراهيم مخلصا ، فالحنيف على قولهم : المخلص دينه للّه وحده . وقال آخرون : بل الحنيفيّة الإسلام ، فكلّ من ائتّم بإبراهيم في ملّته فاستقام عليها فهو حنيف . الحنيف عندي هو الاستقامة على دين إبراهيم ، واتّباعه على ملّته ؛ وذلك أنّ الحنيفيّة لو كانت حجّ البيت ، لوجب أن يكون الّذين كانوا يحجّونه في الجاهليّة من أهل الشّرك كانوا حنفاء ، وقد نفى اللّه أن يكون ذلك تحنّفا بقوله :
وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
فكذلك القول في الختان ، لأنّ الحنيفيّة لو كانت هي الختان ، لوجب أن يكون اليهود حنفاء ، وقد أخرجهم اللّه من ذلك بقوله :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً
فقد صحّ إذا أنّ الحنيفيّة ليست الختان وحده ، ولا حجّ البيت وحده ، ولكنّه هو ما وصفنا من الاستقامة على ملّة إبراهيم ، واتّباعه عليها ، والائتمام به فيها . فإن قال قائل : أو ما كان من كان من قبل إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم من الأنبياء وأتباعهم مستقيمين على ما أمروا به من طاعة اللّه استقامة إبراهيم وأتباعه ؟ قيل : بلى . فإن قال قائل : فكيف أضيف الحنيفيّة إلى إبراهيم وأتباعه على ملّته خاصّة ، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم ؟ قيل : إنّ كلّ من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفا ، متّبعا طاعة اللّه ، ولكنّ اللّه تعالى ذكره لم يجعل أحدا منهم إماما لمن بعده من عباده إلى قيام السّاعة ، كالّذي فعل من ذلك بإبراهيم ، فجعله إماما فيما بيّنه من مناسك الحجّ والختان ؛ وغير ذلك من شرائع الإسلام ، تعبّدا به أبدا إلى قيام السّاعة ، وجعل ما سنّ من ذلك علما مميّزا بين مؤمني عباده وكفّارهم ، والمطيع منهم له والعاصي ، فسمّي الحنيف من النّاس حنيفا باتّباعه ملّته واستقامته ، على هديه ومنهاجه ، وسمّي الضّال عن ملّته بسائر أسماء الملل ، فقيل : يهوديّ ونصرانيّ ومجوسيّ ، وغير ذلك من صنوف الملل . ( 1 : 564 ) الزّجّاج : ونصب ( حنيفا ) على الحال ، المعنى : بل نتّبع ملّة إبراهيم في حال حنيفيّته ، ومعنى الحنيفيّة في اللّغة : الميل ، فالمعنى : أنّ إبراهيم حنيف إلى دين اللّه ، دين الإسلام ، كما قال عزّ وجلّ :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
آل عمران : 19 ، فلم يبعث نبيّ إلّا به ، وإن اختلفت شرائعهم . فالعقد توحيد اللّه عزّ وجلّ ، والإيمان برسله وإن اختلفت الشّرائع ، إلّا أنّه لا يجوز أن تترك شريعة نبيّ أو يعمل بشريعة نبيّ قبله ، تخالف شريعة نبيّ الأمّة الّتي يكون فيها . ( 1 : 213 ) القمّيّ : الحنيفيّة ، وهي الطّهارة ، وهي عشرة أشياء : خمسة في الرّأس ، وخمسة في البدن . فأمّا الّتي في الرّأس : فأخذ الشّارب ، وإعفاء اللّحى ، وطمّ الشّعر ، والسّواك ، والخلال . وأمّا الّتي في البدن : فحلق الشّعر من البدن ، والختان ، وقلم الأظفار ، والغسل من الجنابة ، والطّهور بالماء . فهذه خمسة في البدن ، وهو الحنيفيّة الطّهارة الّتي جاء بها إبراهيم ، فلم تنسخ إلى يوم القيامة ، وهو قوله :
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
النّساء : 125 . ( 1 : 59 )
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 116 | مجمع البحوث الاسلامية