في الخبر : « أنّهم يلهمون التّسبيح كما يلهمون النّفس » .
يقول الفقير : فيه نظر ، لأنّ الآخرة المطلقة كالعاقبة الجنّة ، مع أنّ المقام يقتضي أن يكون ذلك من ألسنة أهل الفضل ؛ إذ لا اعتبار بحال أهل العدل ، كما لا يخفى .
( 7 : 258 )
الآلوسيّ : أي له عزّ وجلّ خلقا وملكا وتصرّفا بالإيجاد ، والإعدام ، والإحياء ، والإماتة ، جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكّنا فيهما ، فكأنّه قيل : له هذا العالم بالأسر . [ ثمّ نقل كلام أبي السّعود وأضاف : ]
فظهر اختصاص جميع أفراده به تعالى ، وفي الوصف بما ذكر أيضا إيذان بأنّه تعالى المحمود على نعم الدّنيا ، حيث عقّب ( الحمد ) بما تضمّن جميع النّعم الدّنيويّة ، فيكون الكلام نظير قولك : احمد أخاك الّذي حملك وكساك ، فإنّك تريد به أحمده على حملانه وكسوته ، وفي عطف قوله تعالى :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
على الصّلة كما هو الظّاهر ، إيذان بأنّه سبحانه المحمود على نعم الآخرة ، ليتلاءم الكلام .
وفي تقييد الحمد فيه بأنّ محلّه الآخرة ، إيذان بأنّ محلّ الحمد الأوّل الدّنيا لذلك أيضا ، فتفيد الجملتان ، أنّه عزّ وجلّ المحمود على نعم الدّنيا فيها .
وأنّه تبارك وتعالى المحمود على نعم الآخرة فيها ، وجوّز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك ، وأصله الحمد لله إلخ في الدّنيا ، وله ما في الآخرة والحمد فيها ، فأثبت في كلّ منهما ما حذف من الآخر . [ ثمّ نقل كلام أبي السّعود وأضاف : ]
وأنت تعلم أنّ المتبادر إلى الذّهن هو ما قرّر أوّلا ، والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدّنيا ونعم الآخرة بطريق التّفضّل ، أنّ الأوّل على نهج العبادة ، والثّاني على وجه التّلذّذ والاغتباط ، وقد ورد في الخبر : « إنّ أهل الجنّة يلهمون التّسبيح كما يلهمون النّفس » .
وقول الزّمخشريّ : إنّ الأوّل واجب لأنّه على نعمة متفضّل بها ، والثّاني ليس بواجب لأنّه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقّها ، مبنيّ على رأي المعتزلة ، على أنّ قوله : لأنّه على نعمة واجبة الإيصال ليس على إطلاقه عندهم ، لأنّ ما يعطي اللّه تعالى العباد في الآخرة ليس مقصورا على الجزاء عندهم ، بل بعض ذلك تفضّل ، وبعضه أجر ، وتقديم الخبر في الجملة الثّانية لتأكيد الحصر المستفاد من اللّام - على ما هو الشّائع - اعتناء بشأن نعم الآخرة .
وقيل : للاختصاص ، لأنّ النّعم الدّنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها ، ولا كذلك نعم الآخرة ، وكأنّه أراد لتأكيد الاختصاص ، أو بنى الأمر على أنّ الاختصاص المستفاد من اللّام بمعنى الملابسة التّامّة ، لا الحصر ، كما فصّله الفاضل اليمنيّ ، وأمّا أنّه أراد لاختصاص الاختصاص فكما ترى ، ويردّ على قوله :
ولا كذلك نعم الآخرة
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
الإسراء : 79 ، فتأمّل . ( 22 : 103 )
نحوه القاسميّ ( 14 : 4937 ) ، والمراغيّ ( 22 : 55 ) .
مغنيّة : اللّه سبحانه هو المستحقّ للحمد في