تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 850

مساهمون:

ص٨٥٠
عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً
إشارة إلى الشّكر على نعمة الإبقاء ، فإنّ الشّرائع بها البقاء ، ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتّبع كلّ واحد هواه ، ولو وقعت المنازعات في المشتبهات وأدّى إلى التّقاتل والتّفاني . ثمّ قال في هذه السّورة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إشارة إلى نعمة الإيجاد الثّاني ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
وقال في الملائكة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إشارة إلى نعمة الإبقاء ، ويدلّ عليه قوله تعالى :
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ،
والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلا إلّا يوم القيامة ، يرسلهم اللّه مسلمين ، كما قال تعالى :
وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
الأنبياء : 103 ، وقال تعالى عنهم :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
الزّمر : 73 ، وفاتحة الكتاب لمّا اشتملت على ذكر النّعمتين بقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
إشارة إلى النّعمة العاجلة ، وقوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إشارة إلى النّعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام ، ثمّ فيها مسائل : المسألة الأولى : ( الحمد ) شكر ، والشّكر على النّعمة ، واللّه تعالى جعل ما في السّماوات وما في الأرض لنفسه بقوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
ولم يبيّن أنّه لنا حتّى يجب الشّكر ؟ نقول جوابا عنه : الحمد يفارق الشّكر في معنى ، وهو أنّ الحمد أعمّ ، فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلا ، فإنّ الإنسان يحسن منه أن يقول في حقّ عالم لم يجتمع به أصلا : إنّه عالم عامل ، بارع كامل ، فيقال له : إنّه يحمد فلانا ، ولا يقال : إنّه يشكره ، إلّا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه ، فاللّه تعالى محمود في الأزل ، لاتّصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال ، ومشكور ، ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النّعم ، فلا يلزم ذكر النّعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة ، وفي كونه مالك ما في السّماوات وما في الأرض عظمة كاملة ، فله الحمد . على أنّا نقول قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
يوجب شكرا أتمّ ممّا يوجبه قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ،
وذلك لأنّ ما في السّماوات والأرض إذا كان للّه ونحن المنتفعون به لا هو ، يوجب ذلك شكرا لا يوجبه كون ذلك لنا . المسألة الثّانية : قد ذكرتم أنّ ( الحمد ) هاهنا إشارة إلى النّعمة الّتي في الآخرة ، فلم ذكر اللّه السّماوات والأرض ؟ فنقول : نعم الآخرة غير مرئيّة فذكر اللّه النّعم المرئيّة ، وهي ما في السّماوات وما في الأرض ، ثمّ قال :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
ليقاس نعم الآخرة بنعم الدّنيا ، ويعلم فضلها بدوامها وفناء العاجلة ، ولهذا قال :
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير ، والحكمة صفة ثابتة للّه لا يمكن زوالها ، فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرّة أخرى في الآخرة . ( 25 : 238 ) نحوه الشّربينيّ . ( 7 : 257 ) البيضاويّ : خلقا ونعمة ، فله الحمد في الدّنيا لكمال قدرته على تمام نعمته ،
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ