تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 852

مساهمون:

ص٨٥٢
والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدّنيا والآخرة بطريق التّفضّل ، أنّ الأوّل على نهج العبادة ، والثّاني على وجه التّلذّذ والاغتباط . ( 5 : 244 ) البروسويّ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الألف واللّام لاستغراق الجنس ، واللّام للتّمليك والاختصاص ، أي جميع أفراد المدح والثّناء والشّكر من كلّ حامد ، ملك للّه تعالى ومخصوص به ، لا شركة لأحد فيه ، لأنّه الخالق والمالك ، كما قال :
الَّذِي لَهُ
خاصّة ، خلقا وملكا وتصرّفا بالإيجاد والإعدام ، والإحياء والإماتة ،
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي جميع الموجودات ، فإليه يرجع الحمد لا إلى غيره . وكلّ مخلوق أجري عليه اسم المالك فهو مملوك له تعالى في الحقيقة ، وإنّ الزّنجيّ لا يتغيّر عن لونه لأن سمّي كافورا ، والمراد على نعمه الدّنيويّة ، فإنّ السّماوات والأرض وما فيها خلقت لانتفاعنا ، فكلّها نعمة لنا دينا ودنيا ، فاكتفى بذكر كون المحمود عليه في الدّنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها ، وقد صرّح في موضع آخر كما قال :
لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ
وهذا القول أي الحمد للّه إلخ وإن كان حمدا لذاته بذاته ، لكنّه تعليم للعباد كيف يحمدونه .
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
بيان لاختصاص الحمد الأخرويّ به تعالى ، إثر بيان اختصاص الدّنيويّ به . على أنّ الجارّ متعلّق إمّا بنفس ( الحمد ) أو بما تعلّق به الخبر من الاستقرار ، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ، ليعمّ النّعم الأخرويّة ، كما في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
الزّمر : 74 ، وقوله :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
فاطر : 35 ، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النّعم الدّنيويّة ، كما في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا
الأعراف : 43 ، أي لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل الصّالح . يقال : يحمده أهل الجنّة في ستّة مواضع : أحدها : حين نودي
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
يس : 59 ، فإذا يميّز المؤمنون من الكافرين يقولون :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
المؤمنون : 28 ، كما قال نوح عليه السّلام حين أنجاه اللّه من قومه . والثّاني : حين جاوزوا الصّراط قالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
فاطر : 34 . والثّالث : لمّا دنوا إلى باب الجنّة ، واغتسلوا بماء الحياة ، ونظروا إلى الجنّة قالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا .
والرّابع : لمّا دخلوا الجنّة ، واستقبلتهم الملائكة بالتّحيّة قالوا :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ .
والخامس : حين استقرّوا في منازلهم قالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ .
والسّادس : كلّما فرغوا من الطّعام قالوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . *
والفرق بين الحمدين مع كون نعمتي الدّنيا والآخرة بطريق التّفضّل ، أن الأوّل على نهج العبادة ، والثّاني على وجه التّلذّذ ، كما يتلذّذ العطشان بالماء البارد ، لا على وجه الفرض والوجوب . وقد ورد