لأنّ ما في الآخرة أيضا كذلك . وليس هذا من عطف المقيّد على المطلق ، فإنّ الوصف بما يدلّ على أنّه المنعم بالنّعم الدّنيويّة قيّد الحمد بها ، وتقديم الصّلة للاختصاص ، فإنّ النّعم الدّنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها ، ولا كذلك نعم الآخرة .
( 2 : 254 )
النّسفيّ : ( الحمد ) إن أجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود ، وإن أجري على الاستغراق فله لكلّ المحامد الاستحقاق ، ( للّه ) بلام التّمليك لأنّه خالق ناطق الحمد أصلا ، فكان بملكه مالك الحمد للتّحميد أهلا . . .
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
كما هو له في الدّنيا ، إذ النّعم في الدّارين من المولى ، غير أنّ الحمد هنا واجب ، لأنّ الدّنيا دار تكليف وثمّ لا ، لعدم التّكليف ، وإنّما يحمد أهل الجنّة سرورا بالنّعيم وتلذّذا بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
الزّمر :
74 ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
فاطر : 34 .
( 3 : 316 )
أبو حيّان :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
مستغرق لجميع المحامد .
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
ظاهره الاستغراق ، ولمّا كانت نعمة الآخرة مخبرا بها غير مرئيّة لنا في الدّنيا ذكرها ، ليقاس نعمها بنعم الدّنيا قياس الغائب على الشّاهد ، وإن اختلفا في الفضيلة والدّيمومة . ( 7 : 257 )
أبو السّعود : أي له تعالى خلقا وملكا وتصرّفا بالإيجاد والإعدام ، والإحياء والإماتة ، جميع ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكّنا فيهما ، فكأنّه قيل : له جميع المخلوقات كما مرّ في آية الكرسيّ .
ووصفه تعالى بذلك ، لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرّف بلام الحقيقة بالاسم الجليل ، من اختصاص جميع أفراده به تعالى ، على ما بيّن في فاتحة الكتاب ببيان تفرّده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك ، وكون كلّ ما سواه من الموجودات الّتي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى ، ليس لها في حدّ ذاتها استحقاق الوجود ، فضلا عمّا عداه من صفاتها ، بل كلّ ذلك نعم فائضة عليها من جهته عزّ وجلّ ، فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد ، الّذي مداره الجميل الصّادر عن القادر باختيار . فظهر اختصاص جميع [ ما ] أراده به تعالى .
وقوله تعالى :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
بيان لاختصاص الحمد الأخرويّ به تعالى ، إثر بيان اختصاص الدّنيويّ به ، على أنّ الجارّ متعلّق إمّا بنفس ( الحمد ) أو بما تعلّق به الخبر من الاستقرار ، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ، ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التّعيين ، كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدّنيا عن ذكر كون الحمد أيضا فيها ، بل ليعمّ النّعم الأخرويّة ، كما في قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
الزّمر :
74 ، وقوله تعالى :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
فاطر : 35 ، وما يكون ذريعة إلى نيلها من النّعم الدّنيويّة ، كما في قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا
الأعراف : 43 ، أي لما جزاؤه هذا من الإيمان والعمل الصّالح .