تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧
دعا المقام إليه أجبناه ، ولهذا فرّقوا بين هذا الحمد وحمد الأنعام ، إذ عموم الرّبوبيّة ، وشمول الرّحمة ، واستمرار الملك هنا تقتضي استغراق الأفراد توفية لحقّ هذه السّورة ، وحرصا على التئام نظمها ، بخلاف ما في تلك السّورة ، فإنّ العمومات مفقودة فيها . ومن الغريب أنّ بعضهم جعلها للعهد ، قال الفاكهيّ : سمعت شيخنا أبا العبّاس المرسيّ يقول : قلت لابن النّحّاس : ما تقول في الألف واللّام في الحمد : أجنسيّة هي أم عهديّة ؟ فقال يا سيّدي : قالوا : إنّها جنسيّة ، فقلت له : الّذي أقول : إنّها عهديّة ، وذلك أنّ اللّه تعالى لمّا علم عجز خلقه عن كنه حمده حمد نفسه بنفسه في أزله ، نيابة عن خلقه قبل أن نحمده ، فقال : أشهدك أنّها للعهد ، واستأنس له بما صحّ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله : « اللّهمّ لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وأغرب من هذا ما ذهب إليه بعض ساداتنا الصّوفيّة قدّس اللّه تعالى أسرارهم ، وليس بالغريب عندهم أنّ الحمد للّه على حدّ الكبرياء للّه ،
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
الأعراف : 54 ، فهو الحامد والمحمود والجميع شؤونه ، ولهم كلام غير هذا ، والكلّ يسقي بماء واحد . وعن إمامنا الماتريديّ روّح اللّه تعالى روحه أنّه جعل هذا حمدا من اللّه تعالى لنفسه ، قال : وإنّما حمد نفسه ليعلم الخلق ولا ضير في ذلك ، لأنّه سبحانه هو المستحقّ لذاته والحقيق بما هنالك ؛ إذ لا عيب يمسّه ولا آفة تحلّ به . ثمّ إنّ ( الحمد ) فيما تواتر مرفوع ، وهو مبتدأ خبره ( للّه ) وقرأ الحسن البصريّ وزيد بن عليّ ( الحمد للّه ) باتباع الدّال اللّام . وإبراهيم بن عبلة وأهل البادية بالعكس ، وجاز ذلك استعمالا ، مع أنّ الاتباع إنّما يكون في كلمة واحدة ، لتنزيلهما - لكثرة استعمالهما مقترنين - منزلة الكلمة الواحدة ، واختلف في التّرجيح مع الإجماع على الشّذوذ ، فقيل : قراءة إبراهيم أسهل لأمرين : أحدهما : أنّ اتباع الثّاني للأوّل أيسر من العكس وإن ورد ، كما في مدّ وشدّ وأقبل وأدخل ، لأنّه جار مجرى السّبب والمسبّب ، وينبغي أن يكون السّبب أسبق رتبة من المسبّب . وثانيهما : أنّ ضمّة الدّال إعراب وكسرة اللّام بناء ، وحرمة الإعراب أقوى من حرمة البناء ، والمطّرد غلبة الأقوى الأضعف . وقيل : إنّ قراءة الحسن أحسن ، لأنّ الأكثر جعل الثّاني متبوعا ، لأنّ ما مضى فات ، ولأنّ جعل غير اللّازم تابعا للّازم أولى ، والاستقامة عين الكرامة ، وكأنّه لتعارض التّرجيح قال الزّمخشريّ : وأشفّ القراءتين قراءة إبراهيم ، فعبّر بأشفّ وهو من الأضداد . وقرأ هارون بن موسى ( الحمد للّه ) بالنّصب وعامّة بني تميم وكثير من العرب ينصبون المصادر بالألف واللّام ، وهو بفعل محذوف قدّروه « نحمد » بنون الجماعة ، لأنّه مقول على ألسنة العباد ، ومناسب ل ( نعبد ) و ( نستعين ) ، لا بنون العظمة ، لعدم مناسبته لمقام العبادة المقتضي لغاية التّذلّل والخضوع ، ويجوز أن يكون من باب :