نجمعه بسائر عبادات الجوارح ، والاستعانة في المهمّات ونخصّ مجموعها بك ، وتقدير السّؤال والجواب بحاله ، وحينئذ لا يصحّ أن يكون الاختيار للرّعاية ، لأنّ الاختصاصين متلازمان ، بل لأنّ الحمد مصدر سادّ مسدّ الفعل ، وهو لا يدلّ إلّا على الحقيقة ، فكذا ما ينوب منابه وإن كان معرفة ليصحّ بيانه ب
إِيَّاكَ نَعْبُدُ ،
والحمل على الاستغراق يبطل النّيابة ؛ إذ يصير الكلام مسوقا لبيان العموم ولا يصحّ البيان ، وهذا الاختيار مستفاد من جعل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
بيانا لحمدهم .
ولعلّ الّذي دعاه إليه ترك العاطف فظنّ أنّه لذلك لا يكون إلّا بيانا ، وهو من التّعكيس ، لأنّ جعل الصّدر متبوعا للعجز أولى من العكس ، فالمحقّقون المحقّون على تعميم الحمد ، وأنّ الفصل [ وهو ترك العاطف ] لأنّ الكلام الأوّل جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كلّ الحمد ، والثّاني جار على الحكاية عن نفس الحامد وبيان أحواله ، بين يدي الباطن الظّاهر ، والأوّل الآخر ، فترك العطف للتّفرقة بين الحالتين لا للبيان .
ويدلّ على ذلك أنّ أحسن الالتفات أن يكون النّقل من إحدى الصّيغتين إلى الأخرى في سياق واحد لمعلوم واحد ، ولا بيان له على البيان على أن جعل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
بيانا .
ربّما يناقض ما ادّعاه من أنّ الشّكر بالقلب والجوارح واللّسان ، والحمد بالأخير ، لأنّ العبادة تكون بها كلّها فيلزم أن يكون الحمد كذلك .
وأيضا الذّهاب إلى فسحة الالتفات ، والقول بأنّ قوله : ( الحمد . . . ) وارد على الشّكر اللّسانيّ ، و
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
مشعر بالشّكر بالجوارح ، و
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
مؤذن بالشّكر القلبيّ ، أولى من الفرار إلى مضيق القول بالبيان .
وأيضا في تعقيب هذه الصّفات للحمد إشعار بأنّ استحقاقه له لاتّصافه بها ، وقد تقرّر أنّ في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعارا بالعلّيّة ، وهاهنا الصّفات بأسرها تضمّنت العموم ، فينبغي أن يكون العموم في الحمد أيضا ، لأنّ الشّكر يقتضي المنعم والمنعم عليه والنّعمة ، فالمنعم هو اللّه تعالى ، والاسم الأعظم جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم ، والمنعم عليه العالمون ، وقد اشتمل على كلّ جنس ممّا سمّي به ، وموجب النّعم
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وقد استوعب ما استوعب ، فإذن لا يستدعي تخصيص الحكم بالبعض سوى التّحكّم أو التّوهّم ، هذا .
وأنا لو خلّيت وطبعي لا أمنع أن تكون أل للحقيقة من حيث هي ، كما في قولهم : « الرّجل خير من المرأة » أوّلها من حيث وجودها في فرد غير معيّن ، كما في « ادخل السّوق » أوّلها في جميع الأفراد وهو الاستغراق كما في
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
العصر : 2 .
والقول بأنّ هذا المقام آب عن الاستغراق ، لأنّ اختصاص حقيقة الحمد به تعالى أبلغ من اختصاص أفرادها جمعا وفرادى ، لاستلزام الأوّل الثّاني ، وسلوك طريقة البرهان أقضى لحقّ البلاغة ، وأيضا أصل الكلام نحمد اللّه تعالى حمدا ، وحمدنا بعض لا كلّ ، وفي