تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 826

مساهمون:

ص٨٢٦
اختصاص الجنس إشعار بأنّ حمد كلّ حامد لكلّ محمود حمد للّه تعالى على الحقيقة ، لأنّه إنّما حمده على الصّفات الكماليّة المفاضة عليه من الفيّاض الحقّ جلّ وعلا ، فهو فعله على الحقيقة والحمد على الفعل الجميل ، والمعتزليّ وإن قال بالاستقلال لا يمنع أنّ الأقدار والتّمكين منه تعالى ، فيمكنه من هذا الوجه أن يعمّم عند المقتضي له . وقد صرّح بهذا الزّمخشريّ أوّل « التّغابن » فقال في قوله تعالى :
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ
قدّم الظّرفان ليدلّ بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد باللّه تعالى ، ثمّ قال : وأمّا حمد غيره فاعتداد بأنّ نعمة اللّه تعالى جرت على يده ، وقد يقال أيضا : على أصله أنّ الحمد المستغرق لا يجوز أن يختصّ ، بل الحمد الحقيقيّ الكامل الّذي يقتضيه إجراء هذه الصّفات فاللّام للحقيقة ، ويراد أكمل أنواعها ، فهو من باب ذلك الكتاب ، وحاتم الجود ، لأنّه الّذي يحقّ أن يطلق عليه الحقيقة حتّى كأنّه كلّها ، لا لأنّها للاستغراق في المقام الخطابيّ ، وتنزيل غير ذلك منزلة العدم ، فإنّه تطويل للمسافة مع قصرها كلام لا أقبله وإن جلّ قائله ، ويعرف الرّجال بالحقّ ، لا الحقّ بالرّجال ، كيف ، ومن سنّة اللّه تعالى الّتي لا تبديل لها إجراء الكلام على سبيل الخطابة وإن كان برهانيّا ، فهي أكثر تأثيرا في النّفوس وأنفع لعوام النّاس ، كما سيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى عند قوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
النّحل : 125 ، فالتّحرّز عن الاستغراق احترازا عن المقام الخطابيّ ، ذهول عن مقرئ كلام اللّه تعالى . ثمّ لمّا كان المقام مقتضيا لدقائق النّعم وروادفها ، لم يكن تنزيل الحمد غير الكامل منزلة العدم من مقتضيات المقام ، وتصريح الزّمخشريّ في « التّغابن » بالتّعميم ممنوع ، للتّفرقة بين استغراق أفراد الحمد الخارجيّة ، والذّهنيّة الحقيقيّة ، والمجازيّة الكاملة وغير الكاملة ، وبين اختصاص حقيقة الحمد كما يشعر به قوله ، وذلك لأنّ الملك على الحقيقة له ، وكذلك الحمد ، فكما أنّه لا ينفي الملك عن غيره مطلقا فكذلك لا ينفي الحمد عنه كذلك ، فإنّ من أصل المعتزلة أنّ نعمة اللّه تعالى جارية على يد العبد لكنّه موجد لإنعمامه فله حمد يليق بإيجاده ، وللّه تعالى حمد يليق بتمكينه وإفاضته ، وهو الحمد الكامل المختصّ به عزّ شأنه لا ذاك . وفي « الكشّاف » ما يؤيّد ما قلناه لمن أمعن النّظر . وأمّا حديث إنّ اختصاص حقيقة الحمد أبلغ من اختصاص الأفراد ، لاستلزام الأوّل الثّاني ، فيجاب عنه ، بأنّ اختصاص الأفراد الخارجيّة والذّهنيّة - كما قرّرنا - مستلزم لاختصاص الحقيقة أيضا ، إذ لم يبق لها فرد غير مختصّ فأين توجد ، فالاستلزام متعاكس ، على أنّ حقيقة الحمد يصدق عليها الحمد ، فهي فرد من أفراده ، كما قال الدّامغانيّ ، فإذا خصّص جميع أفراد الحمد به اختصّ حقيقته أيضا ، وكون الأصل نحمد اللّه تعالى حمدا ليس بقاطع احتمال الاستغراق الآن ، فقد تغيّر الحال ، وأنت إذا تأمّلت بعد ، يرتفع عنك سجاف الإشكال . ولست أقول : إنّ الحمد أينما وقع يفيد ذلك ، بل إذا
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 826 | مجمع البحوث الاسلامية