وهو الشّائع هناك مطلقا ، وأيّ مقام أولى بملاحظة الشّمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيما ، فقرينة الاستغراق كنار على علم .
فالحقّ أنّ سبب الاختيار هو أنّ اختصاص الجنس مستفاد من جوهر الكلام ومستلزم لاختصاص جميع الأفراد ، فلا حاجة في تأدية المقصود من إثبات الحمد له تعالى ، وانتفائه عن غيره إلى أن يلاحظ بمعونة الأمور الخارجيّة ، بل نقول : على ما اختاره يكون اختصاص الأفراد بطريق برهانيّ ، فيكون أقوى من إثباته ابتداء .
وفيه أنّ فهم اختصاص الجنس من جوهر الكلام يدلّ على سرعته وهو معنى التّبادر - وقد ردّه ، وأيضا إذا كان الاختصاص بطريق برهانيّ فلا شبهة في خفائه ، فأين النّار وأين العلم ؟ ! وقيل غير ذلك .
ولا يبعد أن يقال : إنّ اختيار الزّمخشريّ كون التّعريف للجنس ، وكون القول بالاستغراق وهم ، لا يبعد أن يكون رعاية لنزغة اعتزاليّة وأن يكون لنكتة عربيّة ، لأنّه جعل أصل المعنى نحمد اللّه حمدا . وزعم أنّ
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
بيان لحمدهم ، كأنّه قيل : كيف تحمدوني ؟ فقيل : إيّاك نعبد ، ثمّ يسأل وأجاب ، فقيل في توجيه ذلك : أنّه لمّا كان معناه نحمد اللّه حمدا ، كان إخبارا عن ثبوت حمد غير معيّن من المتكلّم له تعالى على أنّ المصدر للعدد ، فاتّجه أن يقال : كيف تحمدونه أي بيّنوا كيفيّة حمدكم ، فإنّها غير معلومة ، فبيّن بقوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ . . .
أي نقول هذه الكلمات ونحمده بهذا الحمد ، فورد السّؤال عن التّعريف ، لأنّ المناسب للإبهام ثمّ البيان التّنكير . وأجاب أنّه لتعريف الجنس من حيث وجوده في فرد غير معيّن ولذا بيّن .
وقيل : لمّا كان المعنى نحمد حمدا كان المصدر للتّأكيد ، فيكون دالّا على الحقيقة من غير دلالة على الفرديّة والسّؤال المقدّر عن كيفيّة صدور تلك الحقيقة . والجواب أنّا نحمد حمدا مقارنا لفعل الجوارح وفعل القلب ، ولا نقتصر على مجرّد القول .
ثمّ أورد بأنّه يكفي لإفادة هذا المصدر المنكّر فما فائدة التّعريف ؟ فأجاب بأنّه تعريف للجنس للإشارة إلى الماهيّة المعلومة للمخاطب من حيث هي ، وعلى هذين التّوجيهين يكون اختياره الجنس ومنعه الاستغراق لرعاية مذهبه ، والاختصاص على الأوّل اختصاص الفرد ، وعلى الثّاني اختصاص الجنس باعتبار الكمال .
ولا يخفى سقوط اعتراض السّعد حينئذ ، بأنّ الاختصاصين متلازمان وكلّ منهما مخالف لمذهبه ظاهرا موافق له تأويلا ، فلا يكون رعاية المذهب موجبا لاختيار الجنس دون الاستغراق ، ولا يرد ما أورد السّيّد على الثّاني - من أنّه كما يجوز الحمل على الجنس باعتبار الكمال على مذهبه ، يجوز الحمل على الاستغراق باعتبار تنزيل محامد غيره منزلة العدم - لأنّ فيه تطويل المسافة والالتجاء إلى معونة المقام من غير حاجة . وقيل :
حاصل الجواب عن كيفيّة صدور تلك الحقيقة بتخصيص العبادة المشتملة على الحمد وغيره ، لأنّ انضمام غيره معه نوع بيان لكيفيّته ، أي حال حمدنا أنّا