الشّارع للإنشاء لمصلحة الأحكام ، واعترض على إنشائيّتها بأنّ الاستغراق ينافيه ، ويستلزم كون الحامد منشئا لكلّ حمد ، ومن المحال إنشاء الحمد القائم بغيره .
وأجيب : بأنّه لا منافاة ولا استلزام ، ويكفي كونه منشئا للإخبار بأنّ كلّ حمد ثابت له ومحمود به . والّذي أرتضيه أنّها إخباريّة كما عليه المعظم ، ويد اللّه تعالى مع الجماعة ، والمراد الإخبار بأنّ اللّه تعالى مستحقّ الحمد ، كما قال سبحانه :
لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ
القصص : 70 ، والمتكلّم بها عن اعتقاد واصف ربّه سبحانه بالجميل ومعظّم له جلّ شأنه ، فيقال له : حامد لذلك ، لا لمحض الإخبار بما فيه لفظ الحمد ، بل إذا غيّر الصّيغة إلى ما ليس فيها ذلك اللّفظ ممّا هو مشتمل على الوصف بالجميل بقصد التّعظيم قيل له أيضا : حامد .
فللحمد صيغ شتّى وعبارات كثيرة ، حتّى جعل منها الإقرار بالعجز عن الحمد ، وقد نقل أنّ داود عليه السّلام قال : يا ربّ كيف أشكرك والشّكر من آلائك ؟ فقال : يا داود لمّا علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني .
فما ذكره ابن الهمام أوّلا من أنّ المخبر بالحمد لا يقال له : حامد ، إن أراد أنّ المخبر من حيث إنّه مخبر لا يقال له ذلك ، فمسلّم ، والدّليل تامّ ، لكنّا بمعزل عن هذه الدّعوى ، وإن أراد أنّ المخبر مطلقا ولو قصد التّعظيم لا يقال له ذلك ، فممنوع ، ولا تقريب في الدّليل كما لا يخفى ، وما ذكره ثانيا من قوله نعم إلخ يعلم دفعه من خبايا زوايا كلامنا .
وما ذكره الملّا خسرو يردّ عليه : أنّ النّقل في أمثال ما نحن فيه بلا ضرورة ممنوع ، ولا تظنّ من كلامي هذا أنّي أمنع أن يكون الحمد بجملة إنشائيّة رأسا ، معاذ اللّه ، ولكنّي أقول : إنّ الجملة هنا إخباريّة وأنّ الحمد يصحّ بها بناء على ما ذكرناه ، والبحث بعد محتاج إلى تحرير . ولعل اللّه تعالى يوفّقه لنا في مظانّه ، والظّن باللّه تعالى حسن .
الثّاني : أنّه شاع السّؤال عن معنى كون حمد العباد للّه تعالى مع أنّ حمدهم حادث وهو سبحانه القديم ، ولا يجوز قيام الحادث به .
وأجيب : بأنّ المراد تعلّق الحمد به تعالى ، ولا يلزم من التّعلّق القيام كتعلّق العلم بالمعلومات ، فلا يتوجّه الإشكال أصلا . وقيل : إنّ الحمد مصدر بناء المجهول ، فيكون الثّابت له عزّ شأنه هو المحموديّة ، وصيغة المصدر تحتمل ذلك وغيره ، ولهذا جعل بعضهم في
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أوائل الكتب ، اثنين وأربعين احتمالا . وقيل : وهو من الغرابة بمكان أنّ اللّام للتّعليل أي الحمد ثابت لأجل اللّه تعالى .
الثّالث : أنّه أتى باسم الذّات في الحمدلة ، لئلّا يتوهّم لو اقتصر على الصّفة اختصاص استحقاقه الحمد بوصف دون وصف ، وذلك لأنّ اللّام - على ما قيل - للاستحقاق ، فإذا قيل : ( الحمد للّه ) يفيد استحقاق الذّات له ، وإذا علّق بصفة أفاد استحقاق الذّات الموصوفة بتلك الصّفة له ، والاختصاص إفادة التّعريف ، ولكون الاختصاص كذلك حكما باطلا في نفسه جعل متوهّما ، لا لأنّ تعليق الحكم بالوصف يدلّ على العلّيّة لا على الاختصاص ، لأنّه مستفاد من تعريف المسند إليه .