وإن حدثوا عنها فكلى مسامع * وكلى إذا حدثتهم ألسن تتلو
وحمل الغزاليّ قدّس سرّه حديث « صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة » على ذلك ، وأرفع القراءات قراءة الرّفع ، لدلالة الجملة الاسميّة على الثّبوت والدّوام بقرينة المقام ، بخلاف الفعليّة ، فإنّها تدلّ على التّجدّد والحدوث وإن كان هناك ظرف ، فإن قدّر متعلّقه اسما فهو ظاهر ، وإلّا فقد قيل : الخبر الفعليّ إنّما يفيد الحدوث إذا كان مصرّحا به على أنّه قيل : لا تقدير ، وما ذكره النّحّاة لأمر صناعيّ اقتضاه كقولهم : الظّرفيّة اختصار الفعليّة .
وقيل : إنّ الجملة الاسميّة بمجرّدها لا تدلّ على ذلك ، بل مع انضمام العدول ، وإن أعجبك فالتزمه ، فقد قيل :
بالعدول هنا ، ولكن ليس هذا في كلام الشّيخ عبد القاهر ، بل من تدبّر كلامه في بحث الحال من الدّلائل دفع بأقوى دليل الحال الّذي عرض للنّاظرين ، وقولهم :
المضارع يفيد الاستمرار أرادوا به الاستمرار التّجدّديّ في المستقبل ، لافي جميع الأزمنة ، فلا ينافي ما قلنا ، واختار الجملة الاسميّة هاهنا إجابة لداعي المقام .
وقد قال غير واحد : إنّ أصل هذا المصدر النّصب ، لأنّ المصادر أحداث متعلّقة بمحالّها ، فيقتضي أن تدلّ على نسبتها إليها ، والأصل في بيان النّسبة في المتعلّقات الأفعال ، فينبغي أن تلاحظ معها ، ويؤيّد ذلك كثرة النّصب في بعضها والتزامه في بعض آخر ، وقد تنزل منزلة أفعالها فتسدّ مسدّها وتستوفي حقّها لفظا ومعنى ، فيكون ذكرها معها كالشّريعة المنسوخة ، يستنكرها المتديّن بعقائد اللّغة .
وبقي هاهنا أمور :
الأوّل : اختلف في جملة ( الحمد ) هل هي إخباريّة أم إنشائيّة ؟ فالّذي عليه معظم العلماء أنّها إخباريّة ، كما يقتضيه الظّاهر ، لما يلزم على الإنشاء من انتفاء الاتّصاف بالجميل قبل حمد الحامد ، ضرورة أنّ الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود ، واللّازم باطل ، فالملزوم مثله ، ولا يرد أنّ القصد إحداث الحمد لا الإخبار بثبوته ، لأنّ الإخبار بثبوت جميع المحامد للّه تعالى هو عين الحمد ، كما أنّ قولك : اللّه واحد ، عين التّوحيد ، وألّف العلّامة البخاريّ في « الانتصار » لذلك ، وردّ من زعم أنّها إنشائيّة وأطال فيه .
واهتمّ بردّه ابن الهمام وذكر أنّ ما ذكر باطل ، لأنّ اللّازم من المقارنة انتفاء وصف الواصف لا الاتّصاف ؛ إذ الحمد إظهار الصّفات لا ثبوتها ، وأيضا المخبر بالحمد لا يقال له : حامد ؛ إذ لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلّق إخباره اسم قطعا ، فلا يقال لقائل زيد له القيام :
قائم ، فلو كان الحمد إخبارا محضا لم يقل لقائل :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
حامد ، وهو باطل ، نعم يتراءى لزوم أن يكون كلّ مخبر منشئا حيث كان واصفا للواقع ومظهرا له ، وهو توهّم ، فإنّ الحمد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه التّعظيم ، وهذا ليس جزء ماهيّة الخبر ، فاختلفت الحقيقتان ، فالجملة إنشائيّة لا محالة .
وقال الملّا خسرو : هي وأمثالها إخباريّة لغة ، ونقلها