ومعنى الاستحقاق الذّاتيّ ما لا يلاحظ معه خصوصيّة صفة حتّى الجميع ، لا ما يكون الذّات البحت مستحقّا له ، فإنّ استحقاق الحمد ليس إلّا على الجميل ، وسمّي ذاتيّا لملاحظة الذّات فيه من غير اعتبار خصوصيّة صفة ، أو لدلالة اسم الذّات عليه ، أو لأنّه لمّا لم يكن مستندا إلى صفة من الصّفات المخصوصة كان مسندا إلى الذّات .
وقد قسّم بعض ساداتنا قدّس اللّه تعالى أسرارهم ( الحمد ) باعتبار صدوره إلى قسمين ، فمصدره باعتبار الفرق من محلّين ومنبعه من عينين ، فإن وجد من الحقّ وصدر من الوجود المطلق ، فتارة يكون على الذّات بانفرادها ووحدتها وغيبتها في عماء هويّتها ، وتارة بكمال إطلاقها في وجودها ، وتارة بتنزّلاتها إلى حظيرات شهودها ، وتارة بكمال أوصافها ونعوتها ، وتارة بكمال آثارها وأفعالها ، وتارة يثنى على أوصافها من حيث الجملة ، وتارة من حيث التّفصيل ، فيثنى على العلم من حيث إحاطته بكلّ معلوم من حقّ وخلق ، وغيب وشهادة ، وملك وملكوت ، وبرزخ وجبروت ، واستقلاله بالوجود من غير مدّة ولا مادّة ، ولا معلم ولا مفيد ، وتقدّسه عن النّقص ، وتنزّهه عمّا يخطر في الوهم ، وكذلك على سائر الصّفات بما يليق بها ويجب لها .
وإن وجد من الخلق والوجود المقيّد ، فتارة يكون على ذات الحقّ ، وتارة على صفاته ، وتارة على أسمائه ، ومرّة على أفعاله ، وطورا على أسراره ، وكرّة على لطيف صنعه ، وخفيّ حكمته في أفعاله وآثاره ، وذلك بحسب مبلغ النّاس في العلم ومنتهاهم في العقل والفهم
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
الأنعام : 91 ،
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
طه : 110 ،
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
الصّافّات : 180 ، وإذا اعتبر الجمع كان الكلّ منه وإليه
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
النّجم : 42 ، فلا حامد ولا محمود سواه .
وهناك يرتفع كلّ إشكال وينقطع كلّ مقال ، وإنّما قدّم الحمد على الاسم الكريم ، لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به ، لكونه بصدد صدور مدلوله فهو نصب العين ، وإن كان ذكر اللّه تعالى أهمّ في نفسه ، والأهمّيّة تقتضي التّقديم ، إلّا أنّ المقتضي العارض بحسب المقام أقوى عند المتكلّم ، وتأخير ما قدّم هنا في نحو قوله تعالى :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ
الرّوم : 18 ، لغرض آخر ، سيأتيك مع أمور أخر في محلّه إن شاء اللّه تعالى . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 1 : 67 )
رشيد رضا : قالوا : إنّ معنى الحمد الثّناء باللّسان ، وقيّدوه بالجميل ، لأنّ كلمة « ثناء » تستعمل في المدح والذّمّ جميعا ، يقال : أثنى عليه شرّا ، كما يقال أثنى عليه خيرا . ويقولون : إنّ « أل » الّتي في ( الحمد ) هي للجنس في أيّ فرد من أفراده ، لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص ، لأنّه لا يسار إلى كلّ منهما في فهم الكلام إلّا بدليل ، وهو غير موجود في الآية . ومعنى كون الحمد للّه تعالى بأيّ نوع من أنواعه ، هو أنّ أيّ شيء يصحّ الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه ، فالحمد له على كلّ حال .
وهذه الجملة خبريّة ولكنّها استعملت لإنشاء