تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 823

مساهمون:

ص٨٢٣
والحمد للّه ليس كذلك ، فهو أعلى كعبا وأظهر عبوديّة . ويمكن أن يقال : إنّ الشّكر على الإعطاء وهو متناه ، والحمد يكون على المنع وهو غير متناه . فالابتداء بشكر دفع البلاء الّذي لا نهاية له على جانب من الحسن لا نهاية له ، ودفع الضّرّ أهمّ من جلب النّفع ، فتقديمه أحرى . وأيضا مورد الحمد في المشهور خاصّ ومتعلّقه عامّ ، والشّكر بالعكس موردا ومتعلّقا ، ففي إيراده دونه إشارة قدسيّة ، ونكتة على ذوي الكثرة خفيّة ، وإلى اللّه ترجع الأمور . وكأنّه لمراعاة هذه الإشارة لم يأت بالتّسبيح ، مع أنّه مقدّم على التّحميد ؛ إذ يقال : سبحان اللّه والحمد للّه ، على أنّ التّسبيح داخل في التّحميد دون العكس ، فإنّ الأوّل يدلّ على كونه سبحانه وتعالى مبرّأ في ذاته وصفاته عن النّقائص . والثّاني يشير إلى كونه محسنا إلى العباد ، ولا يكون محسنا إليهم إلّا إذا كان عالما قادرا غنيّا ، ليعلم مواقع الحاجات فيقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ، ولا يشغله حاجة نفسه عن حاجة غيره . وإن أبيت - ولا أظنّ - قلنا : كلّ تسبيح حمد وليس كلّ حمد تسبيحا ، لأنّ التّسبيح يكون بالصّفات السّلبيّة فحسب ، والحمد بها وبالثّبوتيّة على ما سلف ، فهو أعمّ منه بذلك الاعتبار ، فافتتح به ، لأنّه لجمعيّته وشموله أوفق بحال القرآن ، وتقديم التّسبيح هناك لغرض آخر . ولكلّ مقام مقال ، والتّعريف هنا للجنس ، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كلّ أحد من أنّ الحمد ما هو مثله . وعليه جمع منهم الزّمخشريّ حتّى قال : والاستغراق الّذي يتوهّمه كثير من النّاس وهم . وقد صار هذا معترك الأفهام ومزدحم أفكار العلماء الأعلام ، فقيل : إنّه مبنيّ على مسألة خلق الأعمال ، فإنّ أفعال العباد لمّا كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة ، كانت المحامد عليها راجعة إليهم ، فلا يصحّ تخصيص المحامد كلّها به تعالى . وردّ بأنّ اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضا ؛ إذ لو وجد فرد منه لغيره ثبت الجنس له في ضمنه وصحّ هذا عندهم ، لأنّ الأفعال الحسنة الّتي يستحقّ بها الحمد إنّما هي بإقدار اللّه تعالى وتمكينه ، فبهذا الاعتبار يرجع الأمر إليه كلّه ، وأمّا حمد غيره فاعتداد بأنّ النّعمة جرت على يده . وقيل : إنّه جعل الجنس في المقام الخطابي منصرفا إلى الكامل كأنّه كلّ الحقيقة . وردّ بأنّه يجوز في الاستغراق أيضا ، بأن يجعل ما عدا محامده كالعدم ، فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهرا لمذهبه ودفعهما بالعناية . وقيل : مبناه على أنّ المصادر نائبة مناب الأفعال ، وهي لا تعدو دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق . وردّ بأنّ ذلك لا ينافي قصد الاستغراق بمعونة القرائن . وقيل : إنّما اختاره بناء على أنّه المتبادر الشّائع ، لا سيّما في المصادر وعند خفاء القرائن . وردّ بأنّ المحلّى بلام الجنس في المقامات الخطابيّة يتبادر منه الاستغراق