تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 822

مساهمون:

ص٨٢٢
على غير الاختياريّ ، وكأنّه لذلك لم يقل عزّ شأنه : المدح للّه - كما قالوا إظهارا - لأنّ اللّه تعالى فاعل مختار ، وفي ذلك من التّرغيب والتّرهيب المناسبين لمقام البعثة والتّبليغ ما لا يخفى . وأمّا الشّكر فهو أيضا مغاير للحمد ، إلّا أنّ بعضهم خصّه بالعمل والحمد بالقول ، وبعض جعله على النّعم الظّاهرة ، والآخر على النّعم الباطنة . وادّعى آخرون اختصاصه بفعل اللّسان كالحمد في المشهور ، إلّا أنّه على النّعمة - وإليه يشير كلام الرّاغب - والمعروف أنّه ما كان في مقابلتها قولا باللّسان ، وعملا وخدمة بالأركان ، واعتقادا ومحبّة بالجنان . وقول الطّيّبيّ : إنّ هذا عرف أهل الأصول ، فإنّهم يقولون : شكر المنعم واجب ، ويريدون منه وجوب العبادة ، وهي لا تتمّ إلّا بهذه الثّلاثة ، وإلّا فالشّكر اللّغويّ ليس إلّا باللّسان . غير طيّب ، فإنّ ظاهر الكتاب والسّنّة إطلاق الشّكر على غير اللّسان ، قال تعالى :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
سبأ : 13 . وروى الطّبرانيّ عن النّواس بن سمعان : « أنّ ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجدعاء سرقت ، فقال : لئن ردّها اللّه تعالى عليّ لأشكرن ربّي ، فلمّا ردّت قال : الحمد للّه ، فانتظروا هل يحدث صوما أو صلاة ، فظنّوا أنّه نسي فقالوا له : فقال : ألم أقل : الحمد للّه ؟ ! » فلو لم يفهموا رضي اللّه تعالى عنهم إطلاق الشّكر على العمل لم ينتظروه . وزاد بعضهم في أقسام الشّكر رابعا ، وهو شكر اللّه تعالى باللّه ، فلا يشكره حقّ شكره إلّا هو ، ذكره صاحب « التّجريد » وأنشد :
وشكري ذوي الإحسان بالقلب تارة * وبالقول أخرى ثمّ بالعمل الأثنى
وشكري لربّي لا بقلبي وطاعتي * ولا بلساني بل به شكرنا عنّا
والّذي أطبق عليه النّاس التّثليث ، وعلى كلّ حال بينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه ، والحمد أقوى شعبة ، لأنّ حقيقته إشاعة النّعمة والكشف عنها ، كما أنّ كفرانها إخفاؤها وسترها ، وتلك بالقول أتمّ ، لأن الاعتقاد أمر خفيّ في نفسه ، وعمل الجوارح وإن كان ظاهرا إلّا أنّه يحتمل خلاف ما قصد به ، وكم فرّق بين حمدت اللّه وشكرته ومجّدته وعظّمته ، وبين أفعال العبادة ، وهي كلّها موافقة للعادة ، ولسان الحال أنطق من لسان المقال أمر ادّعائيّ ، كما هو المعروف في أمثاله ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما : « الحمد رأس الشّكر ، ما شكر اللّه تعالى عبد لا يحمده » وهو وإن كان فيه انقطاع إلّا أنّ له شاهدا يتقوّى به وإن كان مثله ، فحيث كان النّطق يجلي كلّ مشتبه ، وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها ، حتّى إذا فقد ، كان ما عداه بمنزلة العدم ، شبّهه صلّى اللّه عليه وسلّم بالرّأس الّذي هو أظهر الأعضاء وأعلاها ، والأصل لها والعمدة في بقائها ، وكأنّه لهذا أتى به الرّبّ سبحانه ، ليكون الرّأس للرّئيس ، ويفتتح النّفيس بالنّفيس ، أو لأنّه لو قال جلّ شأنه : الشّكر للّه ، كان ثناء عليه تعالى بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ،