على فرد آخر ، فيستعمله أهل اللّسان في ذلك الفرد ، حتّى إذا استمرّ ولم يطّلع على إطلاقه على فرد آخر ظنّ أنّه موضوع لخصوصه ، كما في « الميزان » ، فإنّه في الأصل موضوع لآلة الوزن ، ثمّ من لم يطّلع إلّا على ماله لسان وعمود ربّما يجزم بأنّه موضوع له فقط ، ولا يدري أنّ وراء ذلك موازين .
ومثل هذا يجري في كثير من الألفاظ والأمر في المشتقّات ، لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة ، لظهوره بالرّجوع إلى قاعدة الاشتقاق ، وفي غيرها ربّما يشتبه على الجماهير ، وبذلك يفوت كثير من حقائق الكتاب والسّنّة ، فإنّ أكثرهما وارد على أصل اللّغة .
وعلى ذلك فقس الحمد ، فإنّ حقيقته عندهم إظهار صفات الكمال ، ولمّا كان الإظهار القوليّ أظهر أفراده وأشهرها عند العامّة ، شاع استعمال لفظ الحمد فيه ، حتّى صار كأنّه مجاز في غيره ، مع أنّه بحسب الأصل أعمّ ، بل الإظهار الفعليّ أقوى وأتمّ ، فهو بهذا الاسم أليق وأولى ، كما هو شأن القول بالتّشكيك .
وفرّقوا بين الحمد والمدح بأمور :
أحدها : أنّ الحمد يختصّ بالثّناء على الفعل الاختياريّ لذوي العلم ، والمدح يكون في الاختياريّ وغيره ولذوي العلم وغيرهم ، كما يقال : مدحت اللّؤلؤة على صفائها .
وثانيها وثالثها : أنّ الحمد يشترط صدوره عن علم لاظنّ ، وأن تكون الصّفات المحمودة صفات كمال .
والمدح قد يكون عن ظنّ وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص مّا .
ورابعها : أنّ في الحمد من التّعظيم والفخامة ما ليس في المدح ، وهو أخصّ بالعقلاء والعظماء ، وأكثر إطلاقا على اللّه تعالى .
وخامسها : أنّ الحمد إخبار عن محاسن الغير مع المحبّة ، والإجلال والمدح إخبار عن المحاسن ، ولذا كان الحمد إخبارا يتضمّن إنشاء ، والمدح خبرا محضا .
وسادسها : أنّ الحمد مأمور به مطلقا ، ففي الأثر :
« من لم يحمد النّاس لم يحمد اللّه » والمدح ليس كذلك « احثوا في وجوه المدّاحين التّراب » .
ويشعر كلام الزّمخشريّ في « الكشّاف » و « الفائق » بترادفهما ، ففي الأوّل أنّهما أخوان ، وجعل فيه نقيض المدح - أعني الذّمّ - نقيضا للحمد ، وفي الثّاني الحمد المدح والوصف بالجميل ، فالمدح عنده مخصوص بالاختياريّ .
وتأوّل المدح بالجمال وصباحة الوجه ، واحتمال أن يراد من الأخوين ما يكون بينهما اشتقاق كبير بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب كجبذ وجذب ، وأنّ الأدباء يجوّزون التّعريف بالأعمّ ، والنّقيض هناك بالمعنى اللّغويّ ، ويجوز أن يكون شيء واحد نقيضا لشيئين بينهما عموم وخصوص بهذا المعنى .
لا ينفي ما قلناه ، بل إذا أنصفت تكاد تجزم ، بأنّ الزّمخشريّ قائل بالتّرادف ، ولا تستفزّك هذه الاحتمالات ، لأنّها كسراب بقيعة ، نعم هذا القول بعيد منه وهو شيخ العربيّة وفتاها .
فالحقّ الّذي لا ينبغي العدول عنه ، أنّ المدح يكون
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 821
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٨٢١