مطابقة ، إذ ليس فيه سوى ذكر الملزوم وإرادة اللّازم ، مع أنّ أهل العرف العامّ قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى فيقولون : فلان له اعتقاد في فلان ، ويريدون ما أردنا ولا بعد فيه ، لأنّ النّاس يعدّون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء ، إذا كان كذلك مدحا وحمدا ، كما في كثير من القصائد .
وأمّا الجواب : بأنّ الواصف يعتقد الاتّصاف ، وبأنّ المراد معان مجازيّة ، واتّصاف المنعوت بها معتقد ، فيردّه أنّ الأوّل خلاف البديهة ، والثّاني خلاف الواقع .
والجواب عن الأوّل بأنّه لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته ، ولم يكن اللّفظ مستعملا في معناه الحقيقيّ ، وعن الثّاني بأنّه لو كان خلاف الواقع لما كان مستعملا في معناه المجازيّ ، فيلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازا .
كلام نشأ من ضيق الصّدر ؛ إذ لا يلزم من عدم اعتقاد المدلول أن لا يكون الكلام مستعملا فيه ، فالإخبار غير المعتقدة كقول السّنّيّ الخفيّ حاله : العبد خالق لأفعاله مستعمل في حقيقته غير معتقد ، بل جميع الأكاذيب الّتي يعتمدها أهلها كذلك .
ثمّ إنّ المجيب حمل أنّ الأوّل خلاف البديهة ، على أنّ مضمون تلك الأخبار خلافها ، وفرّع عليه أنّه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته . ويردّ عليه المنع ، فإنّ الأكاذيب الّتي يعتمدها العاقل قد تخالف البديهة مع قصد إفادتها لغرض مّا ، كالتّغليط أو التّنكيت أو الامتحان ، أو للتّخيّل كما في كثير من القضايا ، حتّى قال بعض المحقّقين :
لا يلزم أن يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازا ، وفيه تأمّل .
الرّابع : المحمود وقد علمت ما يشترط فيه .
الخامس : وهو ذكر ما يدلّ على اتّصاف المحمود بالمحموديّة ، وقد اشتهر تقييده باللّسان وأريد به جارحة النّطق ، ولمّا كان الواقع كون آلة التّكلّم في الغالب هي تلك الجارحة خصّوه بها ، فلو فقد إنسان لسانه فأثنى بحروفه الشّفويّة ، أو خلق النّطق في بعض جوارحه فأثنى به - كما شوهد في مقطوع جميع اللّسان - فهو حمد ، وقضيّة التّقييد أن لا يكون الصّادر عمّن لا جارحة له حمدا ، وقد قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
الإسراء : 44 .
وأمّا حمد اللّه تعالى نفسه نفسه مثلا فذهب الأكثر إلى أنّه إخبار باستحقاق الحمد وأمر به ، أو مقول على ألسنة العباد ، أو مجاز عن إظهار الصّفات الكماليّة الّذي هو الغاية القصوى من الحمد ، ومال السّيّد إلى الأخير . وقال الدّوانيّ : كون الحمد في حقّه سبحانه مجازا بعيد عن قاعدة أهل الحقّ من إثبات الكلام له حقيقة ، والقول مساوق للكلام .
فالأظهر أنّ الحصر في اللّسان إضافيّ لمقابلة الجنان والأركان ، والمراد الأمر الّذي مصدره اللّسان غالبا ، أو هو قيد غالبيّ يسوغ الاستعمال فيه ، واللّفظ قد يكون موضوعا في أصل اللّغة لعامّ ويشتهر في بعض مخصوص ؛ بحيث يصير فيه حقيقة عرفيّة ، وسبب الاشتهار إمّا كثرة تداول ذلك الفرد كما في الدّابّة ، وإمّا عدم الاطّلاع