بحيث لا يصحّ عدم وقوعه منه ، وإن أريد مع امتناع الوقوع ، فليس هناك من الإرادة إلّا لفظها ومتعلّقها لا محيص عن حدوثه ، والعالم عندهم قديم .
واختيار الشّقّ الأوّل ، ثمّ القول بأنّ الصّادر عن الموجب بالذّات ليس واجبا كذلك ، بل ممكن بذاته ، والقدم زمانيّ لا ذاتيّ ، وصحّة وقوع النّقيض لا يقتضي الوقوع ، إذا أحجم القلم عنه إنّما يظهر في العالم ويبقى ما نحن فيه من الصّفات ، ولا أقدم على إطلاق القول بإمكانها ، لاحتياجها للذّات واستنادها إليها .
وعلى الرّابع أنّ اتّصاف الصّفات بالصّدور لو انشرحت لتوجيهه الصّدور ، يبقى الإشكال في صفة القدرة ، ولا قدرة لدعوى صدورها بالاختيار ، وإلّا لزم تقدّم الشّيء على نفسه فلا حسم .
وعلى الخامس أنّ هاتيك الصّفات مقدّسة عن أن تشرك مع صفة البشر في جنس ، وأين الأزليّ من الزّائل ؟ ! على أنّه على ما فيه خلاف المنساق إلى الذّهن ، ولكثرة المقال والقيل ، لم يشترط بعضهم في المحمود عليه أن يكون اختياريّا ، لأنّه الباعث على الحمد ، وأيّ مانع من أن لا يكون كذلك ، ومن ذلك
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
الإسراء : 79 ، وعند الصّباح يحمد القوم السّرى ، وجاورته فما حمدت جواره .
والصّبر يحمد في المواطن كلّها * إلّا عليك فإنّه مذموم
والحقّ الحقيق بالاتّباع أنّ الحمد اللّغويّ لا يكون إلّا على الأفعال الاختياريّة ، والحمد على الصّفات الذّاتيّة إمّا لغويّ راجع لما يترتّب عليها من الآثار الاختياريّة ، أو عرفيّ ولا ضرر في تعلّقه بها ، وما ذكر من الأمثلة ونحوها فالحمد فيها مجاز عن الرّضا ، ويقال : في الآية زيادة عليه .
إنّ ( محمودا ) حال من الضّمير المنصوب ، أو نعت ل ( مقاما ) والمعنى محمودا فيه النّبيّ لشفاعته ، أو اللّه تعالى لتفضّله عليه بالإذن ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى تحقيقه .
والثّالث : وهو من يتحقّق منه الحمد ، وشرطه أن يكون معظّما بثنائه للمحمود ظاهرا وباطنا كما حقّقه الصّدر ، نعم لا يلزم اعتقاد اتّصاف المحمود بالجميل عند المحقّقين ، بل الشّرط عدم اقترانه ثبوت تحقير ، فيدخل الوصف بما قطع بانتفائه ، ولا يناقضه - كما قال الدّوانيّ - توجيه الشّريف اشتراط التّعظيمين ، بأنّه إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمدا ، بل سخريّة ، لأنّه أراد بالاعتقاد لازمه ، وهو إنشاء التّعظيم لا معناه الحقيقيّ ، فإنّ الحمد قد يكون إنشائيّا ، ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه ، لأنّ ما لا يتعلّق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقته ؛ إذ المتبادر منها الاتّحاد في الإيجاب والسّلب ، أو ما يستلزمه أو يؤول إليه ، وذا لا يوجد إلّا في القضايا ، ولذا لا تسمع أحدا يقول : إنّ التّصوّر يطابقه ، بل لو قال قائل : إنّ مفهوم « اضرب » يطابق الاعتقاد ضرب عنه صفحا ، وربّما نسب لما يكره ، وحمل المطابقة على هذا أقرب من التزام اتّصاف التّصوّرات بالمطابقة واللّا « 1 »
هامش
( 1 ) الصّواب : عدم المطابقة .