كما لسائر الموجودات ، وفيه سرّ الشّفاعة ولواء الحمد .
( 1 : 73 )
البروسويّ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
لامه للعهد ، أي الحمد الكامل ، وهو حمد اللّه للّه ، أو حمد الرّسل ، أو كمّل أهل الولاء ، أو للعموم والاستغراق ، أي جميع المحامد والأثنية للمحمود أصلا ، والممدوح عدلا ، والمعبود حقّا ، عينيّة كانت تلك المحامد أو عرضيّة ، من الملك ، أو من البشر أو من غيرهما ، كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
الإسراء : 44 ، والحمد عند الصّوفيّة إظهار كمال المحمود ، وكماله تعالى صفاته وأفعاله وآثاره .
قال الشّيخ داود القيصريّ : « الحمد قوليّ وفعليّ وحاليّ » .
أمّا القوليّ فحمد اللّسان وثناؤه عليه بما أثنى به الحقّ على نفسه على لسان أنبيائه عليهم السّلام .
وأمّا الفعليّ فهو الإتيان بالأعمال البدنيّة من العبادات والخيرات ، ابتغاء لوجه اللّه تعالى ، وتوجّها إلى جنابه الكريم ، لأنّ الحمد كما يجب على الإنسان باللّسان كذلك يجب عليه بحسب كلّ عضو ، بل على كلّ عضو كالشّكر ، وعند كلّ حال من الأحوال ، كما قال النّبيّ عليه السّلام : « الحمد للّه على كلّ حال » ، وذلك لا يمكن إلّا باستعمال كلّ عضو فيما خلق لأجله على الوجه المشروع ، عبادة للحقّ تعالى ، وانقيادا لأمره ، لا طلبا لحظوظ النّفس ومرضاتها .
وأمّا الحاليّ فهو الّذي يكون بحسب الرّوح والقلب ، كالاتّصاف بالكمالات العلميّة والعمليّة ، والتّخلّق بالأخلاق الإلهيّة ، لأنّ النّاس مأمورون بالتّخلّق بأخلاق اللّه تعالى بلسان الأنبياء عليهم السّلام لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم ، وفي الحقيقة هذا حمد الحقّ أيضا نفسه في مقامه التّفصيليّ المسمّى بالمظاهر ، من حيث عدم مغايرتها له .
وأمّا حمده ذاته في مقامه الجمعيّ الإلهيّ قولا ، فهو ما نطق به في كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصّفات الكماليّة ، وفعلا فهو إظهار كمالاته الجماليّة والجلاليّة من غيبه إلى شهادته ، ومن باطنه إلى ظاهره ، ومن علمه إلى عينه ، في مجالي صفاته ومحالّ ولاية أسمائه ، وحالا فهو تجلّيّاته في ذاته بالفيض الأقدس الأولى وظهور النّور الأزليّ ، فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا .
لقد كنت دهرا قبل أن يكشف الغطا * أخا لك إنّي ذاكر لك شاكر
فلمّا أضاء اللّيل أصبحت شاهدا * بأنّك مذكور وذكر وذاكر
وكلّ حامد بالحمد القوليّ يعرف محموده بإسناد صفات الكمال إليه ، فهو يستلزم التّعريف ، انتهى كلامه .
والحمد شامل للثّناء والشّكر والمدح ، ولذلك صدر كتابه بأن حمد نفسه بالثّناء في ( للّه ) والشّكر في
رَبِّ الْعالَمِينَ
والمدح في
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .
ثمّ ليس للعبد أن يحمده بهذه الوجوه الثّلاثة حقيقة ، بل تقليدا ومجازا : أمّا الأوّل : فلأنّ الثّناء والمدح - بوجه يليق بذاته أو بصفاته - فرع معرفة كنههما ، وقد قال اللّه