تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 814

مساهمون:

ص٨١٤
الأنواع وملائكة الطّباع وغيرهم ، كما تقرّر في موضعه ، ولذلك عبّر في القرآن عن تلك الدّلالة العقليّة منه بالنّطق في قوله تعالى :
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
فصّلت : 21 . وكذلك جميع الموجودات من حيث نظامه الجمليّ حمد واحد وحامد واحد ، لما قد ثبت أنّ الجميع بمنزلة إنسان واحد كبير ، له حقيقة واحدة وصورة واحدة وعقل واحد ، وهو العقل الأوّل الّذي هو صورة العالم وحقيقته ، وهو الحقيقة التّماميّة المحمّديّة ، فأجلّ مراتب الحمد وأعظمها هي المرتبة الختميّة المحمّديّة القائمة بوجود الخاتم صلّى اللّه عليه وآله ، من حيث وصوله إلى المقام المحمود الموعود في قوله :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
الإسراء : 79 ، فذاته المقدّسة أقصى مراتب الحمد الّتي حمد اللّه بها ذاته ، ولذلك خصّ بلواء الحمد ، وسمّي بالحمّاد والأحمد والمحمود من مشتقّات الحمد ، كما قيل . ولا يخفى عليك ، إنّ القول بأنّ حقيقته صلّى اللّه عليه وآله أقصى مراتب الحمد ، لا ينافي كونه بحسب وجوده العنصريّ أحد أجزاء العالم الكبير ، من حيث إنّ دلالة جميع الموجودات على جميل صفات اللّه « 1 » تعالى ، أقوى من دلالة موجود واحد هو جزء العالم ، عليه ، وذلك لأنّ الإنسان الكامل له أطوار متفاوتة ونشآت متنوّعة ، فله صلّى اللّه عليه وآله جميع المقامات والنّشآت ، ففي وقت ومقام له أن يقول :
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
الكهف : 110 ، وفي وقت ومقام أن يقول : لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل . وقوله : من أطاعني فقد أطاع اللّه ، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه . وكونه أقصى مراتب الحمد إنّما يتحقّق في مقامه الجمعيّ الأخرويّ ، الّذي هو المقام المحمود ، ولهذا قال كما روي عنه صلّى اللّه عليه وآله : فيلهمني اللّه محامد أحمده بها ، لا يحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد . لمّا تقرّر أنّ جميع مراتب الموجودات روحا وجسما ، عقلا وحسّا ، بجميع الألسنة قولا وفعلا وحالا ، يحمدونه تعالى ويسبّحونه ويمجّدونه في الدّنيا والآخرة بحسب الفطرة الأصليّة ، ومقتضى الدّاعية الذّاتيّة ، ولا شكّ أنّ لكلّ فعل غريزيّ غاية ذاتيّة ، وباعثا أصليّا ، وقد تقرّر أنّ ذاته تعالى غاية الغايات ونهاية الرّغبات ، فعلى هذا قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يمكن أن يكون إشارة إلى مبدأ الوجود وغايته ، سواء كانت اللّام في ( للّه ) للغاية ، أو للاختصاص ، فمعناه على الأوّل أنّ حقيقة الوجود وجنسه ، إذا كان التّعريف في الحمد للجنس ، أو الوجود كلّه ، إذا كان للاستغراق ، كما قيل : لأجل استكمالها بمعرفته تعالى ووصولها إليه . ومعناه على الثّاني أنّ حقيقة الوجود أو جميع أفراده للّه تعالى ، وإذا كانت هي له تعالى كان هو تعالى لها أيضا ، لقوله صلّى اللّه عليه وآله : « من كان للّه كان اللّه له » ، فذاته تعالى علّة تماميّة كلّ شيء وغاية كمال كلّ موجود ، إمّا بلا واسطة ، كما للحقيقة المحمّديّة الّتي هي صورة نظام العالم وأصله ومنشأه ، وإمّا بواسطة فيضه الأقدس ووجوده المقدّس ،
هامش
( 1 ) على جميع صفات اللّه .