تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 812

مساهمون:

ص٨١٢
كيفيّته ، على أنّ ما قدّر من السّؤال غير مطابق للجواب ، فإنّه مسوق لتعيين المعبود ، لا لبيان العبادة . حتّى يتوهّم كونه بيانا لحمدهم ، والاعتذار بأنّ المعنى نخصّك بالعبادة ، وبه يتبيّن كيفيّة الحمد ، تعكيس للأمر ، وتمحّل لتوفيق المنزّل المقرّر بالموهوم المقدّر . وبعد اللّتيا والّتي إن فرض السّؤال من جهته عزّ وجلّ فاتت نكتة الالتفات الّتي أجمع عليها السّلف والخلف ، وإن فرض من جهة الغير يختلّ النّظام لابتناء الجواب على خطابه تعالى . وبهذا يتّضح فساد ما قيل : إنّه استئناف ، جوابا لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصّفات العظام على الموصوف بها ، فكأنّه قيل : ما شأنكم معه وكيف توجّهكم إليه ، فأجيب بحصر العبادة والاستعانة فيه ، فإنّ تناسي جانب السّائل بالكلّيّة ، وبناء الجواب على خطابه عزّ وعلا ممّا يجب تنزيه ساحة التّنزيل عن أمثاله . والحقّ الّذي لا محيد عنه أنّه استئناف صدر عن الحامد بمحض ملاحظة اتّصافه تعالى بما ذكر من النّعوت الجليلة الموجبة للإقبال الكلّيّ عليه ، من غير أن يتوسّط هناك شيء آخر كما ستحيط به خبرا . وإيثار الرّفع على النّصب الّذي هو الأصل ، للإيذان بأنّ ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت ، وأنّ ذلك أمر دائم مستمرّ لا حادث متجدّد ، كما تفيده قراءة النّصب ، وهو السّرّ في كون تحيّة الخليل للملائكة عليهم التّحيّة والسّلام ، أحسن من تحيّتهم له في قوله تعالى :
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
هود : 69 . وتعريفه للجنس ، ومعناه الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي حاضرة في ذهن السّامع ، والمراد تخصيص حقيقة الحمد به تعالى ، المستدعي لتخصيص جميع أفرادها به سبحانه على الطّريق البرهانيّ ، لكن لابناء على أنّ أفعال العباد مخلوقة له تعالى ، فتكون الأفراد الواقعة بمقابلة ما صدر عنه من الأفعال الجميلة ، راجعة إليه تعالى ، بل بناء على تنزيل تلك الأفراد ودواعيها في المقام الخطابيّ منزلة العدم كيفا وكمّا . وقد قيل : للاستغراق الحاصل بالقصد إلى الحقيقة من حيث تحقّقها في ضمن جميع أفرادها ، حسبما يقتضيه المقام ، وقرئ : ( الحمد للّه ) بكسر « الدّال » اتباعا لها باللّام ، وبضمّ اللّام اتباعا لها بالدّال ، بناء على تنزيل الكلمتين لكثرة استعمالهما مقترنتين ، منزلة كلمة واحدة ، مثل المغيرة ومنحدر الجبل . ( 1 : 19 ) صدر المتألهين : قيل : الحمد والمدح والشّكر ألفاظ متقاربة المعنى ، كما أنّ مقابلاتها وهي الذّمّ والهجاء والكفران كذلك . وقيل : الأوّلان مترادفان . وقيل : بل الحمد أخصّ منه ، لأنّه مختصّ بالاختياريّ . وقيل : الأخيران مترادفان ، فيقال : الحمد للّه شكرا ، فنصبه على المصدريّة يقتضي وضع أحدهما موضع الثّاني ، فإذا كان الحمد يقع موقع الشّكر ، فالشّكر هو الاعتراف بالنّعمة مع ضرب من التّعظيم . والحقّ أنّ بين الحمد والشّكر تعاكسا في العموم والخصوص ، بحسب المورد والمتعلّق ، فإنّ « مورد الحمد »