تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 813

مساهمون:

ص٨١٣
هو اللّسان ، سواء كان بإزاء النّعمة الواصلة أم لا ، وأمّا الشّكر فهو على النّعمة خاصّة ، ومورده يعمّ الجنان واللّسان والأركان . [ ثمّ استشهد بشعر ] فالحمد إحدى شعب الشّكر بوجه ، وإنّما جعل رأس الشّكر والعمدة فيه - كما في قوله صلّى اللّه عليه وآله : الحمد رأس الشّكر . وقوله عليه السّلام : ما شكر اللّه من لم يحمده - لكونه أشيع للنّعمة وأدلّ على مكانها ، وأنطق للإفصاح عن بعض خفيّاتها في عالم الحسّ ، لخفاء عمل القلب وعقائده ، ولما في آداب الجوارح من الاحتمال . ولمّا كان الحمد من المصادر الّتي ينصب بأفعال مضمرة لا يكاد يستعمل معها ، فأصله النّصب ، والجملة فعليّة ، وإنّما عدل به إلى الرّفع بالابتدائيّة ، والظّرف خبره ، والجملة اسميّة ، للدّلالة على ثبات الحمد ودوامه دون تجدّده وحدوثه ، ومنه قوله تعالى :
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ
هود : 69 ، للدّلالة على أنّ إبراهيم عليه السّلام حيّاهم تحيّة أحسن من تحيّتهم ، لكون الاسميّة دالّة على معنى الثّبات دون الفعليّة . وقرأ الحسن : ( الحمد للّه ) باتباع الدّال اللّام ، وابن عبلة بالعكس ، والباعث لهما تنزيل الكلمتين المستعملتين معا منزلة كلمة واحدة . ما مرّ من تخصيص الحمد باللّسان ، وكون الثّناء باللّسان عمدة أفراد الشّكر ، إنّما هو في نظر الحسّ كما أو مأنا إليه ، وبحسب ما هو المتعارف عند المحجوبين ، وأمّا في عرف المكاشفين ، فالحمد نوع من الكلام ، وقد مرّ أنّ الكلام غير مختصّ الوقوع باللّسان ، ولهذا حمد اللّه وأثنى على ذاته بما هو أهله ومستحقّه ، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . وكذا يحمده ويسبّحه كلّ شيء كما في قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
الإسراء : 44 ، فحقيقة « الحمد » عند العارفين المحقّقين ، إظهار الصّفات الكماليّة ، وذلك قد يكون بالقول ، كما هو المشهور عند الجمهور ، وقد يكون بالفعل ، وهو كحمد اللّه ذاته ، وحمد جميع الأشياء له ، وهذا القسم أقوى ، لأنّ دلالة اللّفظ من حيث هو لفظ دلالة وضعيّة ، قد يتخلّف عنها مدلولها ، ودلالة الفعل كدلالة آثار الشّجاعة على الشجاعة ، وآثار السّخاوة على السّخاوة ، عقليّة قطعيّة ، لا يتصوّر فيها تخلّف ، فحمد اللّه ذاته وهو أجلّ مراتب الحمد هو إيجاده كلّ موجود من الموجودات ، فاللّه جلّ ثناؤه حيث بسط بساط الوجود على ممكنات لا تعدّ ولا تحصى ، ووضع عليه موائد كرمه الّتي لا تتناهى ، فقد كشف عن صفات كماله ونعوت جلاله ، وأظهرها بدلالات عقليّة تفصيليّة غير متناهية . فإنّ كلّ ذرّة من ذرّات الوجود يدلّ عليها ، ولا يتصوّر في العبارة مثل هذه الدّلالات ، كما وقع التّنبيه عليه في الحديث المنقول سابقا ، فإيجاده تعالى كلّ موجود هو الحمد بالمعنى المصدريّ بمنزلة التّكلّم بالكلام الدّالّ على الجميل ، ونفس ذلك الموجود هو الحمد بالمعنى الحاصل بالمصدر ؛ فإطلاق « الحمد » على كلّ موجود صحيح بهذا المعنى ، وكما أنّ كلّ موجود حمد فهو حامد أيضا ، لاشتماله على مقوّم عقليّ وجوهر نطقيّ ، كأرباب