غير أن يعوّضها ، فكيف يعقل على هذا التّقدير كونه مستحقّا للحمد ؟ وأيضا فذلك الحمد الّذي يستحقّه اللّه تعالى بسبب الإلهيّة ، إمّا أن يستحقّه على العبد ، أو على نفسه ، فإن كان الأوّل ، وجب كون العبد قادرا على الفعل ، وذلك يبطل القول بالجبر ، وإن كان الثّاني ، كان معناه أنّ اللّه يجب عليه أن يحمد نفسه ، وذلك باطل ، قالوا : فثبت أنّ القول بالحمد للّه لا يصحّ إلّا على قولنا .
الفائدة السّادسة عشرة : اختلفوا في أنّ وجوب الشّكر ثابت بالعقل أو بالسّمع : من النّاس من قال : إنّه ثابت بالسّمع ، لقوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
الإسراء : 15 ، ولقوله تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
النّساء : 165 ، ومنهم من قال : إنّه ثابت قبل مجيء الشّرع وبعد مجيئه على الإطلاق ، والدّليل عليه قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وبيانه من وجوه :
الأوّل : أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدلّ أنّ هذا الحمد حقّه وملكه على الإطلاق ، وذلك يدلّ على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشّرع .
الثّاني : أنّه تعالى قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وقد ثبت في أصول الفقه أنّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدلّ على كون ذلك الحكم معلّلا بذلك الوصف ، فهاهنا أثبت الحمد لنفسه ، ووصف نفسه بكونه تعالى ربّا للعالمين ، رحمانا رحيما بهم ، مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة ، فهذا يدلّ على أنّ استحقاق الحمد إنّما يحصل لكونه تعالى مربّيا لهم ، رحمانا رحيما بهم ، وإذا كان كذلك ، ثبت أنّ استحقاق الحمد ثابت للّه تعالى في كلّ الأوقات ، سواء كان قبل مجيء النّبيّ ، أو بعده .
الفائدة السّابعة عشرة : يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيّته ، فنقول : تحميد اللّه تعالى ليس عبارة عن قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
لأنّ قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إخبار عن حصول الحمد ، والإخبار عن الشّيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون تحميد اللّه مغايرا لقولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
فنقول : حمد المنعم عبارة عن كلّ فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما . وذلك الفعل : إمّا أن يكون فعل القلب ، أو فعل اللّسان ، أو فعل الجوارح .
أمّا فعل القلب ، فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا بصفات الكمال والإجلال .
وأمّا فعل اللّسان ، فهو أن يذكر ألفاظا دالّة على كونه موصوفا بصفات الكمال .
وأمّا فعل الجوارح ، فهو أن يأتي بأفعال دالّة على كون ذلك المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال ، فهذا هو المراد من الحمد .
واعلم أنّ أهل العلم افترقوا في هذا المقام فريقين :
الفريق الأوّل : الّذين قالوا : إنّه لا يجوز أن يأمر اللّه عبيده بأن يحمدوه ، واحتجّوا عليه بوجوه :
الأوّل : أنّ ذلك التّحميد إمّا أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم أوّلا ، وبناء عليه ، فالأوّل باطل ، لأنّ هذا يقتضي أنّه تعالى طلب منهم على إنعامه جزاء ومكافأة ، وذلك يقدح في كمال الكرم ، فإنّ الكريم إذا أنعم لم يطلب