ثمّ نعم الدّنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النّعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنّها عطيّة المنعم ، والقسم الثّاني أشرف .
فهذه مقامات يجب اعتبارها حتّى يكون ذكر قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
موافقا لموضعه لائقا بسببه .
الفائدة الثّالثة عشرة : أوّل كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
وآخر كلمة يذكرها أهل الجنّة هو قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
أمّا الأوّل فلأنّه لمّا بلغ الرّوح إلى سرّته عطس فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .
وأمّا الثّاني : فهو قوله تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 ، ففاتحة العالم مبنيّة على الحمد ، وخاتمته مبنيّة على الحمد ، فاجتهد حتّى يكون أوّل أعمالك وآخرها مقرونا بهذه الكلمة ، فإنّ الإنسان عالم صغير ، فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير .
الفائدة الرّابعة عشرة : من النّاس من قال : تقدير الكلام قولوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وهذا عندي ضعيف ، لأنّ الإضمار إنّما يصار إليه ليصحّ الكلام ، وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام ، والّذي يدلّ عليه وجوه :
الأوّل : أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إخبار عن كون الحمد حقّا له وملكا له ، وهذا كلام تامّ في نفسه ، فلا حاجة إلى الإضمار .
الثّاني : أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدلّ على كونه تعالى مستحقّا للحمد بحسب ذاته ، وبحسب أفعاله ، سواء حمدوه أو لم يحمدوه ، لأنّ ما بالذّات أعلى وأجلّ ممّا بالغير .
الثّالث : ذكروا مسألة في الواقعات ، وهي أنّه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده : اعمل كذا وكذا ، لأنّه يجوز أن يمتثل أمره فيأثم ، بل يقول : إنّ كذا وكذا يجب أن يفعل ، ثمّ إذا كان الولد كريما فإنّه يجيبه ويطيعه ، وإن كان عاقّا لم يشافهه بالرّدّ ، فيكون إثمه أقلّ ، فكذلك هاهنا ، قال اللّه تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فمن كان مطيعا حمده ، ومن كان عاصيا كان إثمه أقلّ .
الفائدة الخامسة عشرة : تمسّكت الجبريّة والقدريّة بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ :
أمّا الجبريّة فقد تمسّكوا به من وجوه :
الأوّل : أنّ كلّ من كان فعله أشرف وأكمل ، وكانت النّعمة الصّادرة عنه أعلى وأفضل ، كان استحقاقه للحمد أكثر ، ولا شكّ أنّ أشرف المخلوقات هو الإيمان ، فلو كان الإيمان فعلا للعبد ، لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجلّ من استحقاق اللّه له ، ولمّا لم يكن كذلك ، علمنا أنّ الإيمان حصل بخلق اللّه لا بخلق العبد .
الثّاني : أجمعت الأمّة على قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان ، لو كان الإيمان فعلا للعبد ، وما كان فعلا للّه ، لكان قولهم : الحمد للّه على نعمة الإيمان باطلا ، فإنّ حمد الفاعل على ما لا يكون فعلا له باطل قبيح ، لقوله تعالى :
وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا
آل عمران : 188 .
الثّالث : أنّا قد دلّلنا على أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدلّ ظاهره على أنّ كلّ الحمد للّه ، وأنّه ليس لغير اللّه