تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 799

مساهمون:

ص٧٩٩
تعالى لا يكون محسنا بالعباد ، إلّا إذا كان عالما بجميع المعلومات ، ليعلم أصناف حاجات العباد ، وإلّا ، إذا كان قادرا على كلّ المقدورات ، ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ، وإلّا ، إذا كان غنيّا عن كلّ الحاجات ، إذ لو لم يكن كذلك ، لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد ، فثبت أنّ كونه محسنا لا يتمّ إلّا بعد كونه منزّها عن النّقائص والآفات ، فثبت أنّ الابتداء بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أولى من الابتداء بقوله : سبحان اللّه . الفائدة الحادية عشرة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
له تعلّق بالماضي وتعلّق بالمستقبل ، أمّا تعلّقه بالماضي ، فهو أنّه يقع شكرا على النّعم المتقدّمة ، وأمّا تعلّقه بالمستقبل ، فهو أنّه يوجب تجدّد النّعم في الزّمان المستقبل ، لقوله تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
إبراهيم : 7 . والعقل أيضا يدلّ عليه ، وهو أنّ النّعم السّابقة توجب الإقدام على الخدمة ، والقيام بالطّاعة ، ثمّ إذا اشتغل بالشّكر ، انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم اللّه تعالى ، وأبواب معرفته ومحبّته ، وذلك من أعظم النّعم . فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلّقه بالماضي ، يغلق عنك أبواب النّيران ، وبسبب تعلّقه بالمستقبل ، يفتح لك أبواب الجنان . فتأثيره في الماضي سدّ أبواب الحجاب عن اللّه تعالى ؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة اللّه تعالى . ولمّا كان لا نهاية لدرجات جلال اللّه ، فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة اللّه ، ولا مفتاح لها إلّا قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فلهذا السّبب سمّيت سورة الحمد بسورة الفاتحة . الفائدة الثّانية عشرة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كلمة شريفة جليلة ، لكن لا بدّ من ذكرها في موضعها ، وإلّا لم يحصل المقصود منها . قيل للسّريّ السّقطي : كيف يجب الإتيان بالطّاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة ، أستغفر اللّه عن قولي مرّة واحدة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
فقيل : كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدّكاكين والدّور ، فأخبروني أنّ دكّاني لم يحترق ، فقلت :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وكان معناه أنّي فرحت ببقاء دكّاني حال احتراق دكاكين النّاس ، وكان حقّ الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك ، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
فثبت بهذا أنّ هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر ، إلّا أنّه يجب رعاية موضعها . ثمّ إنّ نعم اللّه على العبد كثيرة ، إلّا أنّها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدّنيا ، ونعم الدّين ، ونعم الدّين أفضل من نعم الدّنيا لوجوه كثيرة . وقولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كلمة جليلة شريفة ، فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة ، من أن يذكرها في مقابلة نعم الدّنيا ، بل يجب أن لا يذكرها إلّا عند الفوز بنعم الدّين . ثمّ نعم الدّين قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، والقسم الثّاني أشرف .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 799 | مجمع البحوث الاسلامية