تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 804

مساهمون:

ص٨٠٤
والآخر مناسبة ، فلا جرم جعل قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أوّل آية من كتاب محمّد رسوله ، ولمّا كان كذلك ، وضع لمحمّد عليه السّلام من كلمة الحمد اسمان : أحمد ومحمّد ؛ وعند هذا قال عليه السّلام : « أنا في السّماء أحمد ، وفي الأرض محمّد » ، فأهل السّماء في تحميد اللّه ، ورسول اللّه أحمدهم ، واللّه تعالى في تحميد أهل الأرض ، كما قال تعالى :
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
الإسراء : 19 ، ورسول اللّه محمّدهم . والنّكتة الثّانية : أنّ الحمد لا يحصل إلّا عند الفوز بالنّعمة والرّحمة ، فلمّا كان الحمد أوّل الكلمات وجب أن تكون النّعمة والرّحمة أوّل الأفعال والأحكام ، فلهذا السّبب قال : سبقت رحمتي غضبي . النّكتة الثّالثة : أنّ الرّسول اسمه أحمد ، ومعناه أنّه أحمد الحامدين أي ، أكثرهم حمدا ، فوجب أن تكون نعم اللّه عليه أكثر ، لما بيّنّا أنّ كثرة الحمد بحسب كثرة النّعمة والرّحمة ، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة اللّه في حقّ محمّد عليه السّلام أكثر منها في حقّ جميع العالمين ، فلهذا السّبب قال :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
الأنبياء : 107 . النّكتة الرّابعة : أنّ المرسل له اسمان مشتقّان من الرّحمة ، وهما الرّحمان الرّحيم ، وهما يفيدان المبالغة ، والرّسول له أيضا اسمان مشتقّان من الرّحمة ، وهما محمّد وأحمد ، لأنّا بيّنّا أنّ حصول الحمد مشروط بحصول الرّحمة ، فقولنا : محمّد وأحمد جار مجرى قولنا : مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الرّوايات أنّ من أسماء الرّسول : الحمد ، والحامد ، والمحمود ، فهذه خمسة أسماء للرّسول دالّة على الرّحمة . إذا ثبت هذا ، فنقول : إنّه تعالى قال :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الحجر : 49 ، فقوله : ( نبّئ ) إشارة إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو مذكور قبل العباد ، والياء في قوله : ( عبادي ) ضمير عائد إلى اللّه تعالى ، والياء في قوله : ( انّى ) عائد إليه ، وقوله : ( انا ) عائد إليه ، وقوله :
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ،
صفتان للّه ، فهي خمسة ألفاظ دالّة على اللّه الكريم الرّحيم ، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدّامه الرّسول عليه الصّلاة والسّلام مع خمسة أسماء تدلّ على الرّحمة ، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء اللّه تدلّ على الرّحمة ، ورحمة الرّسول كثيرة ، كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
ورحمة اللّه غير متناهية ، كما قال تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزّاخرة العشرة المملوءة من الرّحمة ؟ ( 1 : 284 ) العكبريّ : الجمهور على رفع ( الحمد ) بالابتداء ، و ( للّه ) الخبر ، واللّام متعلّقة بمحذوف ، أي واجب أو ثابت . ويقرأ ( الحمد ) بالنّصب على أنّه مصدر فعل محذوف ، أي أحمد الحمد ، والرّفع أجود ، لأنّ فيه عموما في المعنى . ويقرأ بكسر الدّال ، اتباعا لكسرة اللّام ، كما قالوا : المعيرة ورغيف ، وهو ضعيف في الآية ، لأنّ فيه اتباع الإعراب البناء ، وفي ذلك إبطال للإعراب . ويقرأ بضمّ الدّال واللّام على اتباع اللّام الدّال ، وهو ضعيف أيضا ، لأنّ لام الجرّ متّصل بما بعده ، منفصل عن