تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 803

مساهمون:

ص٨٠٣
المكافأة ، وأمّا الثّاني فهو إتعاب للغير ابتداء ، وذلك يوجب الظّلم . الثّاني : قالوا : الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد ، وغير نافع للمحمود ، لأنّه كامل لذاته ، والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره ، فثبت أنّ الاشتغال بهذا التّحميد عبث وضرر ، فوجب أن لا يكون مشروعا . الثّالث : أنّ معنى الإيجاب هو أنّه لو لم يفعل لاستحقّ العقاب ، فإيجاب حمد اللّه تعالى معناه أنّه قال : لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك ، وهذا الحمد لا نفع له في حقّ اللّه ، فكان معناه أنّ هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ، ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد ، وهذا لا يليق بالحكيم الكريم . الفريق الثّاني : قالوا : الاشتغال بحمد اللّه سوء أدب من وجوه : الأوّل : أنّه يجري مجرى مقابلة إحسان اللّه بذلك الشّكر القليل . والثّاني : أنّ الاشتغال بالشّكر لا يتأتّى إلّا مع استحضار تلك النّعم في القلب ، واشتغال القلب بالنّعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . الثّالث : أنّ الثّناء على اللّه تعالى عند وجدان النّعمة يدلّ على أنّه إنّما أثنى عليه ، لأجل الفوز بتلك النّعم ؛ وذلك يدلّ على أنّ مقصوده من العبادة والحمد والثّناء ، الفوز بتلك النّعم ، وهذا الرّجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنّما هو تلك النّعمة وحظّ النّفس ، وذلك مقام نازل ، واللّه أعلم . ( 1 : 218 ) أمّا لطائف قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فأربع نكت : النّكتة الأولى : روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ إبراهيم الخليل عليه السّلام سأل ربّه وقال : يا ربّ ، ما جزاء من حمدك ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ؟
فقال تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فاتحة الشّكر وخاتمته . قال أهل التّحقيق : لمّا كانت هذه الكلمة فاتحة الشّكر جعلها اللّه فاتحة كلامه ، ولمّا كانت خاتمته جعلها اللّه خاتمة كلام أهل الجنّة ، فقال :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 . وروي عن عليّ عليه السّلام ، أنّه قال : « خلق اللّه العقل من نور مكنون مخزون من سابق علمه ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزّهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والخير سمعه ، والرّأفة قلبه ، والرّحمة همّه ، والصّبر بطنه ، ثمّ قيل له : تكلّم ، فقال : الحمد للّه الّذي ليس له ندّ ، ولا ضدّ ، ولا مثل ، ولا عدل ، الّذي ذلّ كلّ شيء لعزّته ، فقال الرّبّ : وعزّتي وجلالي ، ما خلقت خلقا أعزّ عليّ منك » . وأيضا نقل أنّ آدم عليه السّلام لمّا عطس فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
فكان أوّل كلامه ذلك . إذا عرفت هذا ، فنقول : أوّل مراتب المخلوقات هو العقل ، وآخر مراتبها آدم ، وقد نقلنا أوّل كلام العقل هو قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وأوّل كلام آدم هو قوله : ( الحمد ) ، فثبت أنّ أوّل كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة ، وأوّل كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة ، فلا جرم جعلها اللّه فاتحة كتابه ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .
وأيضا ثبت أنّ أوّل كلمات اللّه قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
وآخر أنبياء اللّه محمّد رسول اللّه ، وبين الأوّل