تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
حمدا أصلا ، وإنّما يكون كلّ الحمد للّه ، لو كان كلّ النّعم من اللّه ، والإيمان أفضل النّعم ، فوجب أن يكون الإيمان من اللّه . الرّابع : أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
مدح منه لنفسه ، ومدح النّفس مستقبح فيما بين الخلق ، فلمّا بدأ كتابه بمدح النّفس ، دلّ ذلك على أنّ حاله بخلاف حال الخلق ، وأنّه يحسن من اللّه ما يقبح من الخلق ؛ وذلك يدلّ على أنّه تعالى مقدّس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق ، فقد تقبح أشياء من العباد ، ولا تقبح تلك الأشياء من اللّه تعالى . وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلّيّة . والخامس : أنّ عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة ، ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن ، وإلّا كانت عبثا ، وذلك في حقّه محال . والزّائدة على الحسن إمّا أن تكون واجبة ، وإمّا أن تكون من باب التّفضّل : أمّا الواجب ، فهو مثل إيصال الثّواب والعوض إلى المكلّفين ، وأمّا الّذي يكون من باب التّفضّل فهو مثل أنّه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان . فنقول : هذا يقدح في كونه تعالى مستحقّا للحمد ، ويبطل صحّة قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
وتقريره أن نقول : أمّا أداء الواجبات ، فإنّه لا يفيد استحقاق الحمد ، ألا ترى أنّ من كان له على غيره دين دينار ، فأدّاه ، فإنّه لا يستحقّ الحمد ، فلو وجب على اللّه فعل لكان ذلك الفعل مخلصا له عن الذّمّ ، ولا يوجب استحقاقه للحمد . وأمّا فعل التّفضّل فعند الخصم أنّه يستفيد بذلك مزيد حمد ، لأنّه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل ، لما حصل له ذلك الحمد ، وإذا كان كذلك ، كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره ، وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقّا للحمد والمدح . السّادس : قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدلّ على أنّه تعالى محمود ، فنقول : استحقاقه الحمد والمدح إمّا أن يكون أمرا ثابتا له لذاته ، أوليس ثابتا له لذاته . فإن كان الأوّل ، امتنع أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق المدح ، لأنّ ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره ، وامتنع أيضا أن يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق الذّمّ ، لأنّ ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه بسبب غيره . وإذا كان كذلك ، لم يتقرّر في حقّه تعالى وجوب شيء عليه ، فوجب أن لا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثّواب ، وذلك يهدم أصول المعتزلة . وأمّا القسم الثّاني : وهو أن يكون استحقاق الحمد للّه ليس ثابتا له لذاته ، فنقول : فيلزم أن يكون ناقصا لذاته ، مستكملا بغيره ، وذلك على اللّه محال . أمّا المعتزلة فقالوا : إنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
لا يتمّ إلّا على قولنا ، لأنّ المستحقّ للحمد على الإطلاق هو الّذي لا قبيح في فعله ، ولا جور في أقضيته ، ولا ظلم في أحكامه . وعندنا أنّ اللّه تعالى كذلك ، فكان مستحقّا لأعظم المحامد والمدائح . أمّا على مذهب الجبريّة لا قبيح إلّا وهو فعله ، ولا جور إلّا وهو حكمه ، ولا عبث إلّا وهو صنعه ، لأنّه يخلق الكفر في الكافر ، ثمّ يعذّبه عليه ، ويؤلم الحيوانات من