سيذكرونها إلى وقت قولهم :
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 .
ثمّ جميع هذه المحامد متناهية ، وأمّا المحامد الّتي لا نهاية لها هي الّتي سيأتون بها أبدالآباد ودهر الدّاهرين ، فكلّ هذه الأقسام الّتي لا نهاية لها داخلة تحت قول العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فلهذا السّبب قال تعالى : أنظروا إلى عبدي ، قد أعطيته نعمة واحدة لا قدر لها ، فأعطاني من الشّكر ما لا حدّ له ولا نهاية له .
أقول : هاهنا دقيقة أخرى ، وهي أنّ نعم اللّه تعالى على العبد في الدّنيا متناهية ، وقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
حمد غير متناه ، ومعلوم أنّ غير المتناهي إذا سقط منه المتناهي بقي الباقي غير متناه ، فكأنّه تعالى يقول :
عبدي ، إذا قلت :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
في مقابلة تلك النّعمة ، فالّذي بقي لك من تلك الكلمة طاعات غير متناهية ، فلا بدّ من مقابلتها بنعمة غير متناهية ، فلهذا السّبب يستحقّ العبد الثّواب الأبديّ والخير السّرمديّ . فثبت أنّ قول العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يوجب سعادات لا آخر لها ، وخيرات لا نهاية لها .
الفائدة التّاسعة : لا شكّ أنّ الوجود خير من العدم ، والدّليل عليه أنّ كلّ موجود حيّ ، فإنّه يكره عدم نفسه ، ولولا أنّ الوجود خير من العدم ، وإلّا لما كان كذلك ، وإذا ثبت هذا ، فنقول : وجود كلّ شيء ما سوى اللّه تعالى ، فإنّه حصل بإيجاد اللّه وجوده وفضله وإحسانه ، وقد ثبت أنّ الوجود نعمة ، فثبت أنّه لا موجود في عالم الأرواح والأجسام والعلويّات والسّفليّات ، إلّا وللّه عليه نعمة ورحمة وإحسان ، والنّعمة والرّحمة والإحسان ، موجبة للحمد والشّكر . فإذا قال العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فليس مراده الحمد للّه على النّعم الواصلة إليّ ، بل المراد الحمد للّه على النّعم الصّادرة منه ، وقد بيّنّا أنّ إنعامه واصل إلى كلّ ما سواه ، فإذا قال العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كان معناه الحمد للّه على إنعامه على كلّ مخلوق خلقه ، وعلى كلّ محدث أحدثه ، من نور وظلمة ، وسكون وحركة ، وعرش وكرسيّ ، وجنّيّ وإنسيّ ، وذات وصفة ، وجسم وعرض ، إلى أبد الآباد ودهر الدّاهرين ، وأنا أشهد أنّها بأسرها حقّك وملكك ، وليس لأحد معك فيها شركة ومنازعة .
الفائدة العاشرة : لقائل أن يقول : التّسبيح مقدّم على التّحميد ، لأنّه يقال : سبحان اللّه والحمد للّه ، فما السّبب هاهنا في وقوع البداية بالتّحميد ؟
والجواب أنّ التّحميد يدلّ على التّسبيح دلالة التّضمّن ، فإنّ التّسبيح يدلّ على كونه مبرّأ في ذاته وصفاته عن النّقائص والآفات ، والتّحميد يدلّ مع حصول تلك الصّفة على كونه محسنا إلى الخلق ، منعما عليهم ، رحيما بهم ، فالتّسبيح إشارة إلى كونه تعالى تامّا ، والتّحميد يدلّ على كونه تعالى فوق التّمام ، فلهذا السّبب كان الابتداء بالتّحميد أولى ، وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكميّة .
وأمّا الوجه اللّائق بالقوانين الأصوليّة ، فهو أنّ اللّه