تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 797

مساهمون:

ص٧٩٧
العوائق والحوائل ، فكلّ ذلك إنعام من اللّه تعالى ، فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر اللّه تعالى إلّا بواسطة نعم عظيمة من اللّه تعالى عليه ، وتلك النّعم أيضا توجب الشّكر ، وعلى هذا التّقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشّكر والحمد ، إلّا عند الإتيان به مرارا لا نهاية لها ، وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد اللّه وبشكره على ما يليق به . الثّالث : أنّ الحمد والشّكر ليس معناه مجرّد قول القائل بلسانه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ؛
بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفا بصفات الكمال والجلال ، وكلّ ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال ، فكمال اللّه وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيّل والمتصوّر ، وإذا كان كذلك ، امتنع كون الإنسان آتيا بحمد اللّه وشكره وبالثّناء عليه . الرّابع : أنّ الاشتغال بالحمد والشّكر معناه : أنّ المنعم عليه يقابل الإنعام الصّادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه ، وذلك بعيد لوجوه : أحدها : أنّ نعم اللّه كثيرة لاحدّ لها ، فمقابلتها بهذا الاعتقاد الواحد ، وبهذه اللّفظة الواحدة ، في غاية البعد . وثانيها : أنّ من اعتقد أنّ حمده وشكره يساوي نعم اللّه تعالى فقد أشرك ، وهذا معنى قول الواسطيّ : الشّكر شرك . وثالثها : أنّ الإنسان محتاج إلى إنعام اللّه في ذاته وفي صفاته وفي أحواله ، واللّه تعالى غنيّ عن شكر الشّاكرين وحمد الحامدين ، فكيف يمكن مقابلة نعم اللّه بهذا الشّكر وبهذا الحمد ؟ فثبت بهذه الوجوه أنّ العبد عاجز عن الإتيان بحمد اللّه وبشكره ، فلهذه الدّقيقة لم يقل : « احمدوا اللّه » بل قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
لأنّه لو قال : « احمدوا اللّه » فقد كلّفهم ما لا طاقة لهم به ، أمّا لمّا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كان المعنى أنّ كمال الحمد حقّه وملكه ، سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه . ونقل أنّ داود عليه السّلام قال : يا ربّ كيف أشكرك ، وشكري لك لا يتمّ إلّا بإنعامك عليّ ، وهو أن توفّقني لذلك الشّكر ؟ فقال : يا داود ، لمّا علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك . الفائدة الثّامنة : عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّه قال : « إذا أنعم اللّه على عبده نعمة فيقول العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
فيقول اللّه تعالى : أنظروا إلى عبدي ، أعطيته ما لا قدر له ، فأعطاني ما لا قيمة له » . وتفسيره أنّ اللّه إذا أنعم على العبد كان ذلك الإنعام أحد الأشياء المعتادة ، مثل أنّه كان جائعا فأطعمه ، أو كان عطشانا فأرواه ، أو كان عريانا فكساه ، أمّا إذا قال العبد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كان معناه أنّ كلّ حمد أتى به أحد من الحامدين فهو للّه ، وكلّ حمد لم يأت به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو للّه ، وذلك يدخل فيه جميع المحامد الّتي ذكرها ملائكة العرش والكرسيّ وساكنو أطباق السّماوات ، وجميع المحامد الّتي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمّد صلوات اللّه عليهم ، وجميع المحامد الّتي ذكرها جميع الأولياء والعلماء وجميع الخلق ، وجميع المحامد الّتي