واختلف في عدد أسماء للنّبيّ عليه السّلام فقيل : له عليه السّلام ألف اسم ، كما أنّ للّه تعالى ألف اسم ، وذلك فإنّه عليه السّلام مظهر تامّ له تعالى ، فكما أنّ أسماءه تعالى أسماء له عليه السّلام من جهة الجمع ، فله عليه السّلام أسماء أخر من جهة الفرق ، على ما تقتضيه الحكمة في هذا الموطن .
فمن أسمائه محمّد ، أي كثير الحمد ، لأنّ أهل السّماء والأرض حمدوه في الدّنيا والآخرة .
ومنها : أحمد ، أي أعظم حمدا من غيره ، لأنّه حمد اللّه تعالى بمحامد لم يحمد بها غيره .
ومنها : المقفّي ، بتشديد الفاء وكسره ، لأنّه أتى عقيب الأنبياء وفي قفاهم ، وفي « التّكملة » هو الّذي قفا على أثر الأنبياء أي اتّبع آثارهم .
ومنها : نبيّ التّوبة ، لأنّه كثير الاستغفار والرّجوع إلى اللّه ، أو لأنّ التّوبة في أمّته صارت أسهل ، ألا ترى أنّ توبة عبدة العجل كانت بقتل النّفس ، أو لأنّ توبة أمّته كانت أبلغ من غيرهم حتّى يكون التّائب منهم كمن لا ذنب له ، لا يؤاخذ به في الدّنيا ولا في الآخرة ، وغيرهم يؤاخذ في الدّنيا لا في الآخرة .
ومنها : نبي الرّحمة ، لأنّه كان سبب الرّحمة وهو الوجود ، لقوله تعالى [ في حديث القدسيّ ] : « لولاك لما خلقت الأفلاك » . وفي كتاب « البرهان » للكرمانيّ :
« لولاك يا محمّد لما خلقت الكائنات » خاطب اللّه النّبيّ عليه السّلام بهذا القول ، انتهى .
قيل : الأولى أن يحترز عن القول بأنّه لولا نبيّنا عليه السّلام لما خلق اللّه آدم ، وإن كان هذا شيئا يذكره الوعّاظ على رؤوس المنابر ، يرون به تعظيم محمّد عليه السّلام ، لأنّ النّبيّ عليه السّلام وإن كان عظيم المرتبة عند اللّه لكن لكلّ نبيّ من الأنبياء مرتبة ومنزلة وخاصّيّة ليست لغيره ، فيكون كلّ نبيّ أصلا لنفسه ، كما في « التّاتار خانية » .
كان عليه السّلام نبيّ الرّحمة ، لأنّه هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنّته باقية على وجه الزّمان ، قال تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
الأنفال : 33 .
قال أمير المؤمنين عليّ رضى اللّه عنه : كان في الأرض أمانان :
فرفع أحدهما وبقي الآخر ، فأمّا الّذي رفع فهو رسول اللّه عليه السّلام ، وأمّا الّذي بقي فالاستغفار ، وقرأ بعد هذه الآية .
ومنها : نبيّ الملحمة ، أي الحرب ، لأنّه بعث بالقتال .
فإن قلت : المبعوث بالقتال كيف يكون رحمة ؟
قلت : كان أمم الأنبياء يهلكون في الدّنيا إذا لم يؤمنوا بهم بعد المعجزات ، ونبيّنا عليه السّلام بعث بالسّيف ليرتدعوا به عن الكفر ولا يستأصلوا ، وفي كونه عليه السّلام نبيّ الحرب رحمة .
ومنها : الماحي ، وهو الّذي محا اللّه به الكفر أو سيّئات من اتّبعه .
ومنها : الحاشر ، وهو الّذي يحشر النّاس على قدمه ، أي على أثره ، ويجوز أن يراد بقدمه : عهده وزمانه ، فيكون المعنى أنّ النّاس يحشرون في عهده ، أي في دعوته من غير أن تنسخ ولا تبدل .
ومنها : العاقب ، وهو الّذي ليس بعده نبيّ لا مشرعا ولا متابعا ، أي قد عقب الأنبياء فانقطعت النّبوّة .