أخلاقه وأفعاله وأقواله . وخصّ لفظة ( أحمد ) فيما بشّر به عيسى تنبيها أنّه أحمد منه ومن الّذين قبله ، انتهى .
ويوافقه ما في « كشف الأسرار » من أنّ الألف فيه للمبالغة في الحمد ، وله وجهان :
أحدهما : أنّه مبالغة من الفاعل ، أي الأنبياء كلّهم حامدون للّه تعالى ، وهو أكثر حمدا من غيره .
والثّاني : أنّه مبالغة من المفعول ، أي الأنبياء كلّهم محمودون ، لما فيهم من الخصال الحميدة ، وهو أكثر مناقب وأجمع للفضائل والمحاسن الّتي يحمد بها ، انتهى .
ز صد هزار محمّد كه در جهان آيد * يكى بمنزلت وفضل مصطفى نرسد
قال ابن الشّيخ في حواشيه : يحتمل أن يكون أحمد منقولا من الفعل المضارع ، وأن يكون منقولا من صفة ، وهي أفعل التّفضيل ، وهو الظّاهر ، وكذا محمّد فإنّه منقول من الصّفة أيضا ، وهو في معنى محمود ، ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار ، فإنّه محمود في الدّنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة ، ومحمود في الآخرة بالشّفاعة .
وقال الإمام السّهيليّ في كتاب « التّعريف والأعلام » : أحمد اسم علم منقول من صفة لا من فعل ، وتلك الصّفة « أفعل » الّتي يراد بها التّفضيل ، فمعنى ( أحمد ) أحمد الحامدين لربّه عزّ وجلّ ، وكذلك قال هو في المعنى ، لأنّه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله ، فيحمد ربّه بها ، وكذلك يعقد لواء الحمد .
وأمّا محمّد فمنقول من صفة أيضا ، وهو في معنى محمود ، ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار ، فمحمّد هو الّذي حمد مرّة بعد مرّة ، كما أنّ المكرّم من أكرم مرّة بعد مرّة ، وكذلك الممدّح ونحو ذلك . فاسم محمّد مطابق لمعناه ، واللّه تعالى سمّاه به قبل أن يسمّي به نفسه ، فهذا علم من أعلام نبوّته إذ كان اسمه صادقا عليه ، فهو محمود في الدّنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشّفاعة ، فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللّفظ .
ثمّ إنّه لم يكن محمّدا حتّى كان حمد ربّه فنبّأه وشرّفه ، ولذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الّذي هو محمّد ، فذكره عيسى عليه السّلام فقال :
اسْمُهُ أَحْمَدُ
وذكره موسى عليه السّلام حين قال له ربّه : تلك أمّة أحمد ، فقال : اللّهمّ اجعلني من أمّة أحمد . فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمّد ، لأنّ حمده لربّه كان قبل حمد النّاس ، فلمّا وجد وبعث كان محمّدا بالفعل . وكذلك في الشّفاعة يحمد ربّه بالمحامد الّتي يفتحها عليه ، فيكون أحمد النّاس لربّه ثمّ يشفع ، فيحمد على شفاعته .
فانظر كيف كان ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر ، وفي الوجود ، وفي الدّنيا ، وفي الآخرة تلح لك الحكمة الإلهيّة في تخصيصه بهذين الاسمين ، وانظر كيف أنزلت عليه سورة الحمد وخصّ بها دون سائر الأنبياء ، وخصّ بلواء الحمد ، وخصّ بالمقام المحمود ، وانظر كيف شرّع له سنّة وقرآنا أن يقول عند اختتام الأفعال وانقضاء الأمور : الحمد للّه ربّ العالمين . قال اللّه تعالى :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
الزّمر : 75 ، وقال أيضا :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ