ويدنيهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبرّ والدّين .
وثالثها : ذكر بعد ذلك بقليل هكذا « فإنّ لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له ، ولكن إذا جاء روح الحقّ إليكم يلهمكم ويؤيّدكم بجميع الحقّ ، لأنّه ليس يتكلّم بدعة من تلقاء نفسه » هذا ما في الإنجيل .
فإن قيل : المراد بفار قليط إذا جاء يرشدهم إلى الحقّ ويعلّمهم الشّريعة ، هو عيسى يجيء بعد الصّلب ؟
نقول : ذكر الحواريّون في آخر الإنجيل أنّ عيسى لمّا جاء بعد الصّلب ما ذكر شيئا من الشّريعة ، وما علّمهم شيئا من الأحكام ، وما لبث عندهم إلّا لحظة ، وما تكلّم إلّا قليلا ، مثل أنّه قال : « أنا المسيح فلا تظنّوني ميّتا ، بل أنا ناج عند اللّه ناظر إليكم ، وإنّي ما أوحي بعد ذلك إليكم » فهذا تمام الكلام . ( 29 : 313 )
الرّازيّ : إن قيل : كيف قال عيسى عليه السّلام :
مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
ولم يقل محمّد ومحمّد أشهر أسماء النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ .
قلنا : إنّما قال : ( أحمد ) لأنّه مذكور في الإنجيل بعبارة تفسيرها أحمد ، لا محمّد وإنّما كان كذلك ، لأنّ اسمه في السّماء أحمد وفي الأرض محمّد . فنزل في الإنجيل اسمه السّماويّ .
وقيل : إنّ أحمد أبلغ في معنى الحمد من محمّد ، من جهة كونه مبنيّا على صيغة التّفضيل .
وقيل : محمّد أبلغ من جهة كونه على صيغة التّفضيل الّذي هو للتّكثير . ( مسائل الرّازيّ : 343 )
القرطبيّ : ( احمد ) اسم نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل ، فتلك الصّفة « أفعل » الّتي يراد بها التّفضيل ، فمعنى ( احمد ) أي أحمد الحامدين لربّه .
والأنبياء صلوات اللّه عليهم كلّهم حامدون اللّه ، ونبيّنا أحمد أكثرهم حمدا .
وأمّا محمّد فمنقول من صفة أيضا ، وهي في معنى محمود ، ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار . فالمحمّد هو الّذي حمد مرّة بعد مرّة . كما أنّ المكرّم من أكرم مرّة بعد مرّة . وكذلك الممدّح ونحو ذلك ، فاسم محمّد مطابق لمعناه ، واللّه سبحانه سمّاه قبل أن يسمّي به نفسه . فهذا علم من أعلام نبوّته ؛ إذ كان اسمه صادقا عليه ، فهو محمود في الدّنيا لما هدى إليه ، ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشّفاعة . فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللّفظ .
ثمّ إنّه لم يكن محمّدا حتّى كان أحمد ، حمد ربّه فنبّأه وشرّفه ، فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الّذي هو محمّد ، فذكره عيسى عليه السّلام فقال :
اسْمُهُ أَحْمَدُ .
وذكره موسى عليه السّلام حين قال له ربّه : تلك أمّة أحمد ، فقال : اللّهمّ اجعلني من أمّة أحمد . فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمّد لأنّ حمده لربّه كان قبل حمد النّاس له ، فلمّا وجد وبعث كان محمّدا بالفعل . وكذلك في الشّفاعة يحمد ربّه بالمحامد الّتي يفتحها عليه ، فيكون أحمد النّاس لربّه ثمّ يشفع فيحمد على شفاعته . ( 18 : 83 )
البيضاويّ : يعني محمّدا عليه الصّلاة والسّلام ، والمعنى : أنّ ديني التّصديق بكتب اللّه وأنبيائه ، فذكر أوّل