يكون ولدا لهم . ذكرهم ابن فورك في كتاب « الفصول » ، وهم : محمّد بن سفيان بن مجاشع ، جدّ جدّ الفرزدق الشّاعر ، والآخر : محمّد بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جمحى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس ، والآخر : محمّد بن حمران بن ربيعة ، وكان آباء هؤلاء الثّلاثة قد وفدوا على بعض الملوك ، وكان عنده علم من الكتاب الأوّل ، فأخبرهم بمبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وباسمه ، وكان كلّ واحد منهم قد خلّف امرأته حاملا ، فنذر كلّ واحد منهم : إن ولد له ذكر أن يسمّيه محمّدا ، ففعلوا ذلك .
قال المؤلّف : وهذا الاسم منقول من الصّفة ، فالمحمّد في اللّغة هو الّذي يحمد حمدا بعد حمد ، ولا يكون « مفعّل » مثل : مضرّب وممدّح إلّا لمن تكرّر فيه الفعل مرّة بعد مرّة .
وأمّا أحمد فهو اسمه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي سمّي به على لسان عيسى وموسى - عليهما السّلام - ، فإنّه منقول أيضا من الصّفة الّتي معناها التّفضيل ، فمعنى أحمد ، أي أحمد الحامدين لربّه ، وكذلك هو المعني ؛ لأنّه تفتح عليه في المقام المحمود محامد لم تفتح على أحد قبله ، فيحمد ربّه بها ؛ ولذلك يعقد له لواء الحمد .
وأمّا محمّد فمنقول من صفة أيضا ، وهو في معنى :
محمود . ولكن فيه معنى المبالغة والتّكرار ، فالمحمّد هو الّذي حمد مرّة بعد مرّة ، كما أنّ المكرّم من أكرم مرّة بعد مرّة ، وكذلك : الممدّح ، ونحو ذلك . فاسم محمّد مطابق لمعناه ، واللّه سبحانه وتعالى سمّاه به قبل أن يسمّي به نفسه ، فهذا علم من أعلام نبوّته ؛ إذ كان اسمه صادقا عليه ، فهو محمود عليه السّلام في الدّنيا بما هدى إليه ، ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشّفاعة ، فقد تكرّر معنى الحمد كما يقتضي اللّفظ ، ثمّ إنّه لم يكن محمّدا ، حتّى كان أحمد حمّد ربّه فنبّأه وشرّفه ؛ فلذلك تقدّم اسم أحمد على الاسم الّذي هو محمّد ، فذكره عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : اسمه أحمد ، وذكره موسى صلّى اللّه عليه وسلّم حين قال له ربّه :
تلك أمّة أحمد ، فقال : اللّهمّ اجعلني من أمّة أحمد ، فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمّد ؛ لأنّ حمده لربّه كان قبل حمد النّاس له ، فلمّا وجد وبعث ، كان محمّدا بالفعل .
وكذلك في الشّفاعة يحمد ربّه بالمحامد الّتي يفتحها عليه ، فيكون أحمد الحامدين لربّه ، ثمّ يشفع فيحمد على شفاعته . فانظر : كيف ترتّب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذّكر والوجود ، وفي الدّنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهيّة في تخصيصه بهذين الاسمين ، وانظر : كيف أنزلت عليه سورة الحمد وخصّ بها دون سائر الأنبياء ، وخصّ بلواء الحمد ، وخصّ بالمقام المحمود ، وانظر : كيف شرع لنا سنّة وقرآنا أن نقول عند اختتام الأفعال ، وانقضاء الأمور : الحمد للّه ربّ العالمين . قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
الزّمر : 75 . وقال أيضا :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 . تنبيها لنا على أنّ الحمد مشروع لنا عند انقضاء الأمور . وسنّ صلّى اللّه عليه وسلّم الحمد بعد الأكل والشّرب ، وقال عند انقضاء السّفر : آيبون تائبون عابدون لربّنا حامدون .